للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ورومة هي مدينة الحكام.

وهي (١) في سهل من الأرض تحيط بها الجبال على بعد، عليها منها جبل عوذية (٢) بينها وبينه ستة أميال، ودور (٣) مدينة رومة أربعون ميلاً وقطرها اثنا عشر ميلاً، يشقها نهر يسمى تيبرس وينقسم قسمين ثم يلتقيان آخرها، وفي وسط هذه المدينة حصن يسمى منت أقوط (٤) في صخرة مرتفعة لم يظفر بهذا الحصن عدو قط. ورومة قد تغلب عليها ثلاث مرات، ولها سبعة أبواب، وبين رومة والبحر الشامي اثنا عشر ميلاً، وكذلك بينها وبين البحر الجوفي، وأهل رومة أجبن خلق الله تعالى ويدبر أمرهم برومة البابه، ويجب على كل ملك من ملوك النصارى إذا اجتمع بالبابه أن ينبطح على الأرض بين يديه، فلا يزال يقبل رجلي البابه ولا يرفع رأسه حتى يأمره البابه بالقيام. وكانت رومة القديمة تسمى رومة (٥) بالية، أي عجوز، وكان النهر يعترضها فبنى يوانش الأسقف خلف الوادي مدينة أخرى فلذاك صار النهر يشقها، وفرش النهر بلبن الصفر وألزقه بالقصدير والرصاص، وألبست حيطانه بمثل ذلك.

وفي داخل رومة كنيسة شنت باطر، وفيها صورة قارله من ذهب بلحيته وجميع هيئته، وهو في خلق عبوس قد رفع عن الأرض في خشبة مصلوباً، وفي وسط هذه الكنيسة صورة أخرى لبعض ملوكهم من ذهب أيضاً، ولهذه الكنيسة أربعة أبواب من فضة سبكاً واحداً، وهي كلها مسقفة بقراميد الصفر ملصقة بالقصدير، وحيطانها كلها نحاس أصفر رومي، وأعمدتها وأساطينها من بيت المقدس، وهي في غاية الحسن والجمال، ويزعمون أن تحت هذه الكنيسة أبنية وبيوتاً وسوراً فيها آلات وعدة، وفي وسط صحنها صورة مثقبة من رخام تنساب منها المياه، وصحنها مرتفع جداً يرقى إليه على ثلاثين درجة، ويزعمون أن في هذه الكنيسة مخلبين من مخاليب العنقاء، طول كل مخلب منهما اثنا عشر شبراً، وداخل هذه الكنيسة بيت بني باسم بطرش وبولش الحواريين، وطول هذه الكنيسة ثلثمائة ذراع وسمكها مائتا ذراع.

والذي (٦) فرش النهر، في مدينة رومة، بلبن الصفر في ملكه على ما ذكر مؤرخو العجم قيصر أكتبيان في السنة الرابعة من دولته، عهد إلى جميع عماله مع دور الأرض والبحر المحيط بضرب ضرائب الصفر على الناس وأدائها إليه، فلما اجتمع أمر بضربه صفائح وبسط بها قعر نهر رومة وفرش به وذلك مسافة عشرين ميلاً، وبهذا النهر يؤرخ الروم فيقولون: من تاريخ عام الصفر.

ومدينة رومة كثيرة الطواعين وذلك أنهم لا يدفنون موتاهم، وإنما يدخلونهم في مغارات ويدعونهم بها فيستوبئ هواؤهم إذا استحروا، وهم يجتنبون أكثر ثمارها لوقوع ذبان الموتى عليها، والدليل على أن العلة في ذلك أجساد موتاهم، أن الطاعون لا يتعدى رومة وما دونها بعشرين ميلاً.

ومما (٧) يذكر من الأعاجيب برومة أن فيها كنيسة بها برج طوله في الهواء مائة ذراع، وعلى رأس البرج قبة مبنية بالرصاص، وعلى رأس القبة زرزور من صفر فإذا كان أوان إدراك الزيتون انحشرت إليه الزرازير من الأقطار البعيدة وفي منقار كل زرزور زيتونة وفي رجليه زيتونتان، وموضع الكنيسة لا زيتون فيه، فيطرحها على ذلك البرج، فيستصبح بدهن تلك الزيتون في الكنيسة عامة العام، ويقال: إن قسطنطين الملك بناها في شهر حزيران، وهو أول من تنصر، وإن في هذه الكنيسة قبر رجلين من الحواريين.

ويزعم النصارى، وهو من تكاذيبهم وفاسد نواميسهم، أن في هذه الكنيسة أو غيرها برومة، قبر حواري يفتح عنه الملك كل عام في يوم فصحهم، ويدخله فيحلق رأس الحواري ولحيته ويقلم أظفاره، ثم يقسم لكل رجل من أهل مملكته شعرة شعرة، ويخص كبارهم بفسيط من قلامة أظفاره.

وأهل رومة (٨) أجمعون يحلقون لحاهم، ويحلقون أوساط هامهم، ويزعمون أن كل من لم يحلق لحيته لا يكون نصرانياً خالصاً، ويقول علماؤهم إن سبب ذلك أن شمعون الصفا جاءهم والحواريون، وهم قوم مساكين ليس مع كل واحد منهم إلا عصا وجراب، قالوا: ونحن ملوك نلبس الديباج


(١) البكري (ح) : ٢٠١.
(٢) ص البكري: عودية.
(٣) ص: وذرع.
(٤) ع: اقرط؛ ص: افرط؛ البكري: أرفوط.
(٥) مسقط من ع، وهو ثابت في ص والبكري.
(٦) هذا لم يرد عند البكري.
(٧) قال بالزهري: ٧٥، وياقوت (رومية) ، وابن الفقيه: ٧٢.
(٨) البكري (ح) : ٢٠٥ حتى آخر النص، وقارن بالمسعودي: مروج الذهب ١: ٦٠ وبما ورد في البدء والتاريخ ٤: ٤٦ - ٤٨.

<<  <   >  >>