للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقيل لملّاح: ما حدّ الشّبع؟ قال: حدّ السّكر. قيل: فما حدّ السّكر؟ قال: ألّا تعرف السّماء من الأرض، ولا الطّول من العرض، ولا النافلة من الفرض، من شدّة النّهس والكسر والقطع والقرض. قيل له: فإنّ السكر محرّم، فلم جعلت الشّبع مثله؟

قال: صدقتم، هما سكران: أحد السّكرين موصوف بالعيب والخسار، والآخر معروف بالسّكينة والوقار. قيل له: أما تخاف الهيضة؟ قال: إنما تصيب الهيضة من لا يسمّي الله عند أكله، ولا يشكره على النعمة فيه. فأما من ذكر الله وشكره فإنه يهضم ويستمرئ ويقرم إلى الزّيادة.

وقيل لبخيل: ما حدّ الشّبع؟ قال: الشبع حرام كلّه، وإنّما أحلّ الله من الأكل ما نفى الخوى، وسكّن الصّداع، وأمسك الرّمق، وحال بين الإنسان وبين المرح، وهل هلك الناس في الدّين والدنيا إلا بالشّبع والتّضلّع والبطنة والاحتشاء، والله لو كان للناس إمام لوكّل بكلّ عشرة منهم من يحفظ عليهم عادة الصحة، وحالة العدالة، حتى يزول التعدّي، ويفشو الخير.

وقيل لجنديّ: ما حدّ الشّبع؟ قال: ما شدّ العضد، وأحمى الظّهر، وأدرّ الوريد، وزاد في الشّجاعة.

وقيل لزاهد: ما حدّ الشّبع؟ قال: ما لم يحل بينك وبين صوم النهار وقيام اللّيل. وإذا شكا إليك جائع عرفت صدقه لإحساسك به.

وقيل لمدنيّ: ما حدّ الشّبع؟ فقال: لا عهد لي به، فكيف أصف ما لا أعرف؟

وقيل ليمنيّ: ما حدّ الشّبع؟ قال: أن يحشى حتى يخشى.

وقيل لتركيّ: ما حدّ الشّبع؟ قال: أن تأكل حتى تدنو من الموت.

وقيل لسمّويه القاصّ: من أفضل الشهداء؟ قال: من مات بالتّخمة، ودفن على الهيضة.

قيل لسمرقنديّ: ما حدّ الشّبع؟ قال: إذا جحظت عيناك، وبكم لسانك، وثقلت حركتك، وارجحنّ بدنك، وزال عقلك، فأنت في أوائل الشّبع. قيل له: إذا كان هذا أوّله، فما آخره؟ قال: أن تنشقّ نصفين.

قيل لهنديّ: ما حدّ الشّبع؟ قال: المسألة عن هذا كالمحال، لأنّ الشّبع من الأرزّ النقيّ الأبيض، الكبار الحبّ، المطبوخ باللّبن الحليب، المغروف على الجام البلّور، المدوف «١» بالسّكّر الفائق، مخالف للشّبع من السّمك المملوح وخبز الذّرة، وعلى هذا يختلف الأمر في الشّبع. فقيل له: فدع هذا، إلى متى ينبغي أن يأكل الإنسان؟ قال: إلى أن يقع له أنّه إذا أراد لقمة زهقت نفسه إلى النّار.

<<  <   >  >>