للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وكلّم عامر بن عبد قيس حمران يوما في المسجد. فقال له حمران: لا أكثر الله فينا مثلك. فقال عامر: لكن: أكثر الله فينا مثلك، فقال له القوم: يا عامر، يقول لك حمران ما لا تقول مثله؟ فقال: نعم يكسحون طرقنا، ويحوكون ثيابنا، ويخرزون خفافنا. فقيل له: ما كنّا نرى أنّك تعرف مثل هذا، قال: ما أكثر ما نعرف ممّا لا تظنّون بنا.

وقال: مرّ جرير بن عطية على الأحوص وهو على بغل، فأدلى البغل، فقال الأحوص: بغلك يا أبا حزرة على خمس قوائم. قال جرير: والخامسة أحبّ إليك.

ومرّ جرير بالأحوص وهو يفسق بامرأة وينشد:

يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرّت

فقال له جرير: فإنّه يقر بعينها أن تقعد على مثل ذراع البكر، أفتراك تفعل ذلك؟

فقال الوزير: من رأيت من الكبار كان يحفظ هذا الفنّ وله فيه غزارة وانبعاث وجسارة على الإيراد؟

قلت: ابن عبّاد على هذا، ويبلغ من قوّته أنه يفتعل أشياء شبيهة بهذا الضّرب على من حضر، فقال: الكذب لا خير فيه، ولا حلاوة لروايه، ولا قبول عند سامعيه.

وقال: أرسل بلال بن أبي بردة إلى أبي علقمة فأتاه، فقال: أتدري لأيّ شيء أرسلت إليك؟ قال: نعم، لتصنع بي خيرا. قال: أخطأت ولكن لأسيء بك.

فقال: أمّا إذ قلت ذاك لقد حكّم المسلمون حكمين، فسخر أحدهما بالآخر. فقال الوزير: أيقال سخر به! فكان الجواب أنّ أبا زيد حكاه، وصاحب التّصنيف قد رواه، وسخر منه أيضا كلام، وإنما يقال هو أفصح، لأنه في كتاب الله عزّ وجلّ، وإلّا فكلاهما جائز.

وقال حمزة بن بيض الحنفيّ للفرزدق: يا أبا فراس، أيّما أحبّ إليك أن تسبق الخير أم يسبقك! قال: ما أريد أن أسبقه ولا أن يسبقني، بل نكون معا. ولكن حدّثني أيّما أحبّ إليك: أن تدخل منزلك فتجد رجلا على حرامّك، أو تجدها قابضة على قمدّ الرجل. فأفحمه.

فلما قرأت الجزء في ضروب الجواب المفحم. قال: ما أفتح هذا النوع من الكلام لأبواب البديهة! وأبعثه لرواقد الذّهن! وما يتفاضل الناس عندي بشيء أحسن من هذه الكلمات الفوائق الروائق، ما أحسن ما جمعت وأتيت به.

<<  <   >  >>