للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بينه وبينها، ولتكون المصلحة بالغة غايتها، وهذه سياسة دار الفناء، الجامعة لسكّانها على البأساء والنعماء، وهكذا، فانظر إلى حديث البحر وركوب البأس المتيقّن فيه، وجوب الطول والعرض وإصابة الربح، وطلب العلم، كيف توسّط بين السلامة والعطب، والنجاة والهلكة، فلو استمرت السلامة حتى لا يوجد من يغرق ويهلك، لكان في ذلك مفسدة عامّة، ولو استمرّت الهلكة حتى لا يوجد من يسلم وينجو، لكان في ذلك مفسدة عامّة، فالحكمة إذا ما توسّط هذا الأمر حتى يشكر الله من ينجو ويسلم نفسه لله من يهلك. قلت: وبعد هذا فهذا العلم عويص غامض عميق، وقد فقد العلماء به، الملهمون فيه؛ ومعوّل أهله على الحدس والظّنّ، وعلى بعض التجارب القديمة التي تكذب مرّة وتصدق مرّة، وبالصدق يعتبر الإنسان، وبالكذب يعرى من فوائده، فالنقص قد دخله، والخلل قد شمله، وليس يجب أن يوهب له زمان عزيز، فوراءه ما هو أهمّ منه وأجدر وأرشد وأهدى.

قال: هذا حسن، حدّثني بالذي أفدت اليوم.

قلت: قال أبو سليمان: العلم صورة المعلوم في نفس العالم، وأنفس العلماء عالمة بالفعل، وأنفس المتعلّمين عالمة بالقوة. والتعليم هو إبراز ما بالقوّة إلى الفعل.

والتعلّم هو بروز ما هو بالقوة إلى الفعل. والنفس الكليّة عالمة بالفعل، والنفس الجزئية عالمة بالقوّة، وكلّ نفس جزئيّة تكون أكثر معلوما وأحكم مصنوعا فهي أقرب إلى النفس الكليّة تشبّها بها، وتصيّرا لها.

قال: هذا في الحسن نهاية، وقد اكتهل الليل، وهذا يحتاج إلى بدء زمان، وتفريغ قلب، وإصغاء جديد. هات خاتمة المجلس.

قلت له: قرأنا يوم الجمعة على أبي عبيد الله المرزبانيّ لعبد الله بن مصعب:

إذا استمتعت منك بلحظ طرفي ... حيي نصفي ومات عليك نصفي

تلذّذ مقلتي ويذوب جسمي ... وعيشي منك مقرون بحتفي

فلو أبصرتني والليل داج ... وخدّي قد توسّط بطن كفّي

ودمعي يستهلّ من المآقي ... إذا لرأيت ما بي فوق وصفي

وانصرفت.

<<  <   >  >>