للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وليس هو عند القعنبى «١» لا مرسلا ولا مسندا. ومعنى قوله: «من أنفق زوجين» يعنى شيئين من نوع واحد نحو درهمين أو دينارين أو فرسين أو قمصين، وكذلك من صلى ركعتين أو مشى في سبيل الله تعالى خطوتين، أو صام يومين ونحو ذلك، وإنما أراد- والله أعلم- أقل التكرار وأقل وجوه المداومة على العمل من أعمال البر؛ لأن الاثنين أقل الجمع «٢» ، فهذا كالغيث أين وقع نفع صحب الله بلا خلق، وصحب الخلق بلا نفس؛ إذا كان مع الله عزل الخلائق من البين، وتخلى عنهم، وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط وتخلى عنها، فما أغربه بين الناس وما أشد وحشته منهم! وما أعظم أنسه بالله وفرحه به وطمأنينته وسكونه إليه!.

[أقسام الناس في منفعة العبادة:]

واعلم أن للناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرقا أربعة، وهم في ذلك أربعة أصناف.

الصنف الأول: نفاة الحكم والتعليل للذين يردون الأمر إلى نفس المشيئة وصرف الإرادة، فهؤلاء عندهم القيام بها ليس إلا لمجرد الأمر من غير أن يكون سببا لسعادة في معاش ولا معاد ولا سببا لنجاة، وإنما القيام بها لمجرد الأمر ومحض المشيئة، كما قالوا في الخلق: لم يخلق لغاية ولا لعلة هى المقصودة به ولا لحكمة تعود إليه منه، وليس في المخلوق أسباب تكون مقتضيات لمسبباتها، وليس في النار سبب للإحراق، ولا في الماء قوة الإغراق ولا التبريد. وهكذا الأمر عندهم سواء لا فرق بين الخلق والأمر، لا فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور، ولكن المشيئة اقتضت أمره بهذا ونهيه عن هذا من غير أن يقوم بالمأمور صفة تقتضى حسنه ولا بالمنهى عنه صفة تقتضى قبحه، ولهذا الأصل لوازم فاسدة وفروع كثيرة، وهؤلاء غالبهم لا يجد حلاوة العبادة ولا لذتها ولا يتنعمون بها؛ ولهذا يسمون الصلاة والصيام والزكاة والحج والتوحيد والإخلاص ونحو ذلك تكاليف، أى كلفوا بها، ولو سمى مدعى محبة ملك من الملوك أو غيره ما يأمر به تكليفا لم يعد محبا له.

<<  <   >  >>