للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

نُبِّئْتُ أنَّ النارَ بعدك أُوقِدتْ ... وأستبَّ بعدك يا كُلَيبُ المجلسُ

وتحدثوا في أمرِ كلِّ عظيمةٍ ... لو كنتَ حاضِرَهُمْ بها لم ينبسوا

ولعل أحدث هذه "الصيحات"، وآخر "التقاليع" ما نسميه "ظاهرة العبث بأشراط الساعة"، فقد قذفت المطابع -ولا تزال- بعشرات الكتب والمقالات -بَلْهَ الخطب والمحاضرات- تُفيض في الحديث عن أشراط الساعة، بمنهج مبتدَع دخيل، وأسلوب عجيب غريب، وتهافَتَ الناس على اقتنائها، والتعويل على ما فيها، الأمر الذي يشي بمدى تفشي "الأمية الدينية" بين عامة المثقفين فضلًا عمن دونهم.

ولعل أبرز ما يميز "رءوس" هذه الظاهرة ومقلِّديهم فشو داء التعالم، والقول على الله بغير علم، والجرأة على الخوض بالظن في التوقعات المستقبلة، والاعتماد في الاستدلال على مرويات شاذة غريبة، وآثار مطمورة مهجورة، بَلْهَ الأحاديث الضعيفة والموضوعة، والإسرائيليات، وفيهم يصدق ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ، وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ، وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ» (١).

لقد صار الخوض في أشراط الساعة -وهي غيب- كلأً مباحًا يتناوله كل من هبَّ ودَبَّ، فأفرز مجازفات وشطحات تقشعر منها الجلود، وها


= والتافه: الخسيس الحقير، والرويبضة: تصغير الرابضة، وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها، وزيادة التاء للمبالغة كما في "النهاية" (٢/ ١٨٥).
(١) رواه مسلم في "المقدمة" رقم (٧)، والطحاوي في "المشكِل " (٤/ ٢٠٤).

<<  <   >  >>