للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأوقاتها، والإنذارُ إنما يُنَاطُ بالإعلام بالساعة وأهوالها، والنار وسلاسلها وأغلالها، ولا تتم الفائدة منه إلا بإبهام وقتها؛ ليخشى أهل كل زمن إتيانَها فيه، والإعلامُ بوقت إتيانها، وتحديدُ تاريخها ينافي هذه الفائدة، بل فيه مفاسدُ أخرى؛ فلو قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- للناس: إن الساعة تأتي بعد ألفي سنة من يومنا هذا مثلًا -وألفا سنة في تاريخ العالم، وآلاف السنين تُعَدّ أجلًا قريبًا- لرَأَينا المكذبين يستهزئون بهذا الخبر، ويلحون في تكذيبه، والمرتابين يزدادون ارتيابًا، حتى إذا ما قَرُبَ الأجل وقع المؤمنون في رعب عظيم يُنَغّصُ عليهم حياتهم، ويوقع الشلل في أعضائهم، والتشنجَ في أعصابهم؛ حتى لا يستطيعون عملًا، ولا يسيغون طعامًا ولا شرابًا، ومنهم من يخْرجُ من ماله وما يملكه، في حين يكون الكافرون آمنين، ويسخرون من المؤمنين.

فالحكمة البالغة -إذن- في إبهام أمر الساعة للعالم، وكذا الساعة الخاصة بأفراد الناس، أو بالأمم والأجيال، أو جعلها من الغيب الذي استأثر الله تعالى به) (١) اهـ.

وقوله تعالى: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} معناه: لا يكشف حجابَ الخفاء عنها، ولا يظهرها في وقتها المحدد عند الرب تعالى إلا هو، فلا وساطة بينه وبين عباده في إظهارها ولا في الإعلام بميقاتها وإنما وساطة الرسل عليهم السلام في الإنذار بها (٢)؛ فمِن ثَمَّ قال تعالى:


(١) "تفسير المنار" (٩/ ٣٨٩، ٣٩٠).
(٢) "نفسه" (٩/ ٣٩٠).

<<  <   >  >>