للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وآسيته حين بخلوا، وقمت معه عند المطاردة حين قعدوا، وصحبته في الشدائد أكرم الصحبة، ثاني اثنين، وصاحبه في الغار، والمنزل عليه السكينة والوقار، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وفي أمته أحسن الخلافة حين ارتدَّ الناس، فنهضت حين وهن أصحابك، وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، وقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تعتوا١ ومضيت بنور إذا وقفوا، واتبعوك فهدوا، وكنت أصوبهم منطقًا، وأطولهم صمتًا، أكثرهم رأيًا، وأشجعهم نفسًا، وأعرفهم بالأمور، وأشرفهم عملًا، كنت للدين يعسوبًا٢. أولًا حين نفر عنه الناس، وأخيرًا حين قفلوا٣. وكنت للمؤمنين أبًا رحيمًا؛ إذ صاروا عليك عيالًا، فحملك أثقال ما ضفعوا عنه، ورعيت ما أهملوا، وحفظت ما أضاعوا، شمرت إذا خننعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ جزعوا، وأدركت أوتار ما طلبوا، وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا، ونالوا بك ما لم يحسبوا.

وكنت كما -قال رسول الله- آمن الناس عليه في صحبتك، وذات يدك، وكنت كما قال ضعيفًا بدنك، قويًّا في أمر الله، متواضعًا في نفسك، عظيمًا عند الله، جليلًا في أعين الناس، كبيرًا في أنفسهم.

لم يكن لأحد فيك مغمز، ولا لأحد مطمع، ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قويّ عزيز حتى تأخذ له حقه، والقوي العزيز ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق، القريب والبعيد عنك سواء، أقرب الناس إليك أطوعهم لله، شأنك الحق والصدق، والرفق، وقولك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم، فأبلغت وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفأت النيران، واعتدك بك الدين، وقوي الإيمان، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، وأتعبت من بعدك إتعابًا شديدًا، وفزت بالخير فوزًا عظيمًا، فجللت عن البكاء، وعظمت رزيتك في السماء، وهدت مصيبتك الأنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا له أمره، فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمثلك أبدًا، فألحقك الله تعالى بنبيه، ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك.

وسكت الناس، حتى انقضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم.

١٤١- هذه خطبة من عيون البيان العربي، بل لعلها أبلغ خطبة بعد خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ولكن إن وضعناها بجواز القرآن أَفََلَت، كما تختفي النجوم إذا طعلت


١ التعتعة في الكلام: التردد من حصر الوعي.
٢ اليعسوب: الرئيس المقدَّم.
٣ رجعوا.

<<  <   >  >>