للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فلا تكابره على ردها، فإنها رياضة صعبة لكن أحسن مساعدته على أحسن رأيه، فإذا استحكمت منه ناحية الصواب كان ذلك الصواب هو الذي يبصر الخطايا اللطيفة أكثر من تبصرك والعدل من حكمتك، فإن العدل يدعو بعضه إلى بعض، فإذا تمكن اقتلع الخطأ. ولا تطلب ما قبل الوالي بالمسئلة ولا تستبطئه إن أبطأ، ولكن اطلب ما قبله من الاستحقاق والاستناء فإنك إذا استحققته أتاك من غير طلب، وإذا لم تستبطئه كان أعجل له. وقال يحيى بن خالد: إذا صبحت السلطان فداره مداراة المرأة العاقلة القبيحة للزوج الأحمق المبغض. وقال ابن خالد لبعض إخوانه: تنكر لي هارون الرشيد. فقال: ارض بقليله من كثيره، وإياك أن تسخط فيكون السخط منك.

[الباب السادس والأربعون: في سيرة السلطان مع الجند]

اعلم أن الجند عدد الملك وحصونه ومعاقله وأوتاده، وهم حماة البيضة والذابون عن الحرمة، والدافعون عن العورة وهم جفن الثغور وحراس الأبواب، والعدة للحوادث وإمداد المسلمين، والجند الذي يلقى العدو والسهم الذي يرمى به، والسلاح المدفوع في نحره، فبهم يذب عن الحريم ويؤمن السبيل وتسد الثغور، وهم عز الأرض وحماة الثغور والرادة عن الحريم والشوكة على العدو، وعلى الجند الحد عند اللقاء والصبر عند البلاء، فإن كانت لهم الغلبة فليمضوا في الطلب، وإن كانت عليهم فلينكسوا الأعنة وليجمعوا الأسنة وليذكروا أخبار غد.

وينبغي للملك أن يتفقد جنوده كما يتفقد صاحب البستان بستانه، فيقلع العشب الذي لا ينفعه، فمن العشب ما لا ينفع ومع ذلك يضر بالنبات النافع وهو بالقلع أجدر. ولا يصلح الجند إلا بإدرار أرزاقهم وسد حاجاتهم، والمكافأة لهم على قدر عنائهم وبلائهم. وجنود الملك وعددها وقف على سعود الأئمة ونحوسها. وقال أبرويز لابنه شيرويه: لا توسعن على جندك فيستغنوا عنك ولا تضيق عليهم فيضجوا منك، وأعطهم عطاء قصداً وامنعهم منعاً جميلاً، ووسع عليهم في الرجاء ولا توسع عليهم في العطاء.

ولما أفضى الأمر إلى أبي جعفر المنصور أنفذ جيشاً وقال لقواده سيروا بمثل هذه السيرة. ثم قال: صدق الأعرابي أجع كلبك يتبعك! فقام أبو العباس الطوسي فقال: يا أمير لمؤمنين أخشى أن يلوح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك. ويروى أن كسرى وضع طعاماً في سماط، فلما فرغوا ورفعت الآلات وقعت عينه على رجل من أصحابه وقد أخذ جاماً له قيمة كثيرة، فسكت عنه وجعل الخدم يرفعون الآلات فلم يجدوا الجام، فسمعهم كسرى يتكلمون فقال: ما لكم؟ قالوا: فقدنا جاماً من الجامات. فقال: لا عليكم أخذه من لا يرده ورآه من لا يفضحه. فلما كان بعد أيام دخل الرجل على كسرى وعليه حلة جميلة وحال مستجدة فقال له كسرى: هذا من ذاك! قال: نعم! ولم يقل له شيئاً.

وسئل عمرو بن معاذ وكان على الطوائف: بم قدرت على جيوش الطوائف؟ وكان يغزو في كل سنة ويجهز الجيوش إلى بلاد الروم فقال: بسمانة الطيور والقديد والكعك. وروى أن بعض الملوك كان ظالماً لرعيته شديد الأذى لهم في أموالهم، فعوتب في ذلك فقال: أجع كلبك يتبعك! فوثبوا عليه فقتلوه فمر به بعض الحكماء فقال: ربما أكل الكلب صاحبه إذا لم يشبعه. وفي نقيض هذا المعنى قالوا: سمن كلبك يأكلك. وذلك أن رجلاً كان له كلب يسقيه اللبن ويطعمه اللحم، ويرجو أن يصيب به خيراً ويحرسه ويصيد به، فأتاه ذات يوم وهو جائع فوثب عليه الكلب فأكله فقيل: سمن كلبك يأكلك. وأنشدوا:

وقد سمنوا كلباً ليأكل بعضهم

ولو أخذوا بالحزم ما سمن الكلب!

[الباب السابع والأربعون: في سيرة السلطان في استجباء الخراج]

أيها الملك من طال عدوانه زال سلطانه. واعلم أن المال قوة السلطان وعمارة المملكة ولقاحة

<<  <   >  >>