للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

كانت فترة اضطراب شامل خلا العرش فيها من صاحبه فانتحل كل حاكم من حكام الأقاليم الكبار السلطان المطلق لنفسه، مع اعتبار عدد السبعين ملكًا مجرد مبالغة عديدة لتصوير كثرتهم وحيرة الناس بينهم.

وبدأت أيام الأسرة الثامنة واستمرت على نفس الضعف الذي انتهت إليه أيام الأسرة السادسة وقامت عليه الأسرة السابعة, ولا يكاد يعرف من آثارها المكتوبة غير عدة نصب عثر عليها في منطقة قفط لأسرة حاكمة سيطرت فيها على سبعة أقاليم من جنوب الصعيد لمدى أربعين عامًا فيما يعتقد الأستاذ كورت وزيته١. ثم ما لبثت أن تسربت زعامة الصعيد منها إلى أيدي حكام إقليم طيبة في نفس الوقت تقريبًا الذي انتقلت فيه زعامة مصر الوسطى من أيدي من بقي من ملوك منف الضعاف إلى أيدي حكام أهناسيا غربي بني سويف الحالية.

وهكذا استمر تطلع أهل العواصم المصرية إلى حاكم أعلى يجمع شمل البلاد ويحقق الأمل الذي نادى بمثله إيبوور، عهودًا طويلة، وإن ظهر عدد من حكام الأقاليم حاول كل منهم أن يقوم بدور الحاكم الصالح في إقليمه، في إقليمه، واعتبر نفسه شبه ملك في حدود منطقته، وأرخ بعضهم نصوصه باسمه وبفترة ولايته. وافتخر أغلبهم في نصوصهم بمحاولة حل ثلاث مشكلات كانت تقلق بال الناس في عهودهم، وهي: مشكلة اضطراب الأمن، ومشكلة تطهير الترع القديمة وحفر ترع جديدة وإصلاح الأراضي البور التي هجرها أصحابها، ثم مشكلة المجاعات التي تسببت فيها المشكلتان الأوليتان. وافتخر أغلبهم في نقوش مقابرهم بأنه اعتبر نفسه زوجًا للأرمل وأبًا لليتيم، وأنه آوى من لا عائل له ودفن من لا أهل له. وقد لا تخلو هذه العبارات من مبالغات، ولكنها لا تخلو في الوقت ذاته من دلالة على محاولة الحكام اكتساب السمعة الطيبة لأنفسهم واكتساب محبة الرعية لحكمهم عن طريق الظهور بمظهر الآخذين بتعاليم الدين والعاملين بدعوات المصلحين.

وحين استأثر أولئك الحكام الكبار بالسلطة الواسعة في أقاليمهم، من النواحي الإدارية والقضائية والدينية، جعل بعضهم وراثة الحكم في أعقابهم قضية مسلمًا بها، وترتب على ذلك ما يترتب على نظام الحكم الوراثي عادة من احتمال ولاية وريث الحاكم منصبه في سن الطفولة، فكان من رواية تفيبي حاكم أسيوط عن إيكاله الحكم إلى ولده قوله: " ... خلفني ولدي، وخضع له الموظفون، وحكم منذ أن كان طفلًا في طول الذراع ورحبت به المدينة التي تحفظ الجميل ... "٢. وكون كل حاكم من أولئك الحكام جيشًا محليًّا وأسطولًا محليًّا بما يناسب إمكانيات إقليمه، وصورت مناظر مقابرهم كثيرًا من مناظر الحرب والاستعداد لها٣، وعثر على مجموعتين من تماثيل صغيرة أو نماذج خشبية تمثل بعض الجيش الإقليمي لحاكم من أسيوط يدعى مسحتى. وتألفتا من مجموعة تسلح أفرادها بالحراب والتروس الكبيرة، ومجموعة أخرى تسلح أفرادها بالأقواس والسهام. وكان أفراد هذه الحاميات يلقون معاملة طيبة من حكامهم، ويدربون تدريبًا مناسبًا، ويضمون أحيانًا مرتزقة من النوبيين لحراسة الحواف الصحراوية غير أن وجودهم تحت إمرة حكام الإقليم مباشرة كان يشجع هؤلاء الحكام على التنافس المسلح فيما بينهم ويدفع أقوياءهم إلى محاولة السيطرة على أصحاب الإمكانيات المحدودة من جيرانهم.


١ K. Sethe. In Gottingen Gelehrte Anzeigen, ١٩١٢. ٧٠٥ F.
٢ Siut, Iii ;A. R., I, ٣٩٥, See Alseo ٤١٣.
٣ Ibid., I, ٤١٠-١١ ; Winlock, Bull. Metr. Mus., ١٩٢٨, Ii, ١١ F.

<<  <   >  >>