للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أن يعبر في تمثاله عن عظمة فرعونه لم يستطع أن يترجم عنها بغير إظهار وجهه وهيبته وامتلاء جسده وضخامته، بينما اكتفى بالخطوط العامة له دون إظهار عضلات جسمه وانثناءاته. ثم مثله يعقد يديه على صدره في جلسة أوزيرية مهيبة وإن كان في نفس الوقت قد أظهره برداء العيد القيصر الذي لا ينسجم مع أردية أوزير الطويلة التقليدية، أو على الأقل لم تجر العادة على تصويره في تماثيل الملوك التي أظهرتهم في هيئة أوزيرية. بل وقد نحت ساقي التمثال بضخامة ملحوظة، وتحتمل هذه الضخامة بدورها أكثر من فرض واحد: فهي قد تدل على ابتلاء الملك بمرض تضخم الساقين "داء الفيل" كما يظن بعض الباحثين، ولو أنه فرض نستبعده حيث لم تجر عادة المصريين على إظهار العيوب البدنية للسادة في تماثيل يأملون أن يبعثوا على هيئتها في الآخرة، وقد تدل على عدم تكمن الفنان تمامًا من فنه وعدم استطاعته تقدير النسب السليمة في تمثاله. أو هي ترجع أخيرًا إلى أن هذا التمثال كان واحدًا من تماثيل كثيرة لصاحبه قامت في معبده وعلى جانبي الطريق المؤدي إليه، وربما رأي المثالون في كثرتها ما يغني عن الاهتمام بتفاصيلها، ولم يجدوا ضرورة للعناية الكاملة بكل واحد منها على حدة١.

وعلى أية حال، ومهما يكن من عيوب هذا التمثال، فهي عيوب تغتفر له إذا قورن بتماثيل عصر الانتقال الأول الذي سبقه، ولا تمنع إطلاقًا من اعتباره باكورة طيبة لفن النحت في عصره. وقد لحق النجاح النسبي في نحته ونحت أمثاله من التماثيل الملكية، ببعض تماثيل الخاصة أيضًا، ومن هذه التماثيل بضعة تماثيل لمكت رع وولده، وتمثالان صغيران لموظف يدعى مري نحتهما الفنان من الحجر وأظهره في أحدهما يبسط يديه على صدره في وضع تعبدي لطيف. وتمثال آخر بنفس الوضع لرجل يدعى إقر. ثم تمثال خشبي صغير للأميرة عاشيت وجد داخل تابوتها وميزته حيوية واضحة زادها احتفاظه بتطعيم عينيه٢.

بل وأصاب النجاح النسبي تماثيل الجواري والأتباع الصغيرة كذلك، فبلغت حدًّا لا بأس به من سلامة النسب ورقة التفاصيل، وإن تفاوتت فيما بينها من حيث الحيوية ودقة الصناعة. ومن أمتع ما يستشهد به منها تمثالان لجاريتين من حاملات القرابين وجدا في مقبرة مكت رع وظهر فيهما من حلاوة التعبير وصفاء الملامح وتفاصيل الثياب المشغولة بالخرز على هيئة فلوس السمك، ما جعلهما يفوقان أشباههما من تماثيل عصر الانتقال الأول بمراحل واسعة٣.

وبعد أن أعاد عصر الأسرة الحادية عشرة وحدة الحكم ووحدة الحضارة إلى بلده، انتهت أيام أسرته الحاكمة على غير ما بدأت به، لأمر ما لم تكشف عنه الوثائق المعروفة، بحيث تعاقبت في أواخرها سبع سنوات عز فيها الاستقرار والحاكم الصالح، ثم انتقل العرش منها إلى فرع من أقاربها أو من أصهارها، بدأ بحكمه عصر جديد مجيد سيكون موضوع البحث التالي.


١ Cairo ٣٦١٩٥ ;Metropolition Museum, ٢٦-٣-٢٩.
٢ Ibid., ٢٠-٣-٤- ; ٢٦-٧-١٣٩٣ ; Bitish Museum, ٣٧٨٩٥, ٣٧٨٩٦, Etc.
٣ Cairo ٤٦٧٢٥ ; Metropolitian Museum, ٢٠-٣-٧.

<<  <   >  >>