للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

شماسًا زار مكة في الجاهلية١، وكان يعيش في مَرّ الظهران راهب مسيحي٢. كما كان في مكة نساء نصرانيات تزوجهن أهل مكة٣.

وتلهم الآيات القرآنية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد اتصل بهؤلاء النصارى ودعاهم إلى التصديق برسالته٤، وأن منهم من كان ذا سعة في المال يمكنه أن ينفق في عمل الخير٥، وأن منهم من كان قوي الشخصية والنفس بحيث لا يبالي بلوم المشركين٦، وعلى ذلك فهم ليسوا بأرقاء، وأن منهم من كان متميزًا في ثقافته الدينية، بحيث كان أهلًا للرجوع إليه والاستشهاد به في أمر الرسالة المحمدية٧، وهذا الفريق لم يكن نكرة في أوساط مكة بل كان موضع ثقة ومرجع استفتاء في أمور الدين والدنيا، وأن منهم من كان مجادلًا حجاجًا بل متطرفًا في جداله. ولكنهم بوجه عام كانوا رقيقي العاطفة دمثي الأخلاق، جريئين في إظهار الحق، لا يبالون أهل مكة وزعماءها الأقوياء.

وليس في الإمكان تحديد الزمن الذي نزح فيه هؤلاء إلى مكة واستقروا فيها، ولكن آية النحل: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل] تلهم أن بعض هؤلاء كانوا حديثي عهد بمكة، ومن المحتمل أنهم جاءوا قبيل البعثة، فكانوا لا يزالون يتكلمون لغة عربية سقيمة، أو لا تزال لغتهم الأجنبية مستعملة عندهم. وقد كان أثر النصرانية في مكة


١ ابن هشام ١/ ٣٤٩- أسد الغابة ٣٧٥.
٢ السيرة الحلبية ١/ ٧٥ ابن كثير ٢/ ٢٧٢ "كان بمر الظهران راهب من الرهبان يدعى عيصًا من أهل الشام، وكان متخفرًا بالعاص بن وائل، وكان الله قد آتاه علمًا كثيرًا، وجعل فيه منافع كثيرة لأهل مكة من طب ورفق وعلم".
٣ الأغاني ١/ ٦٦- ٦٧.
٤ انظر سورة الأعراف ١٥٧، يونس ٩٤، الحج ٤.
٥ انظر سورة القصص ٥٢، ٥٤.
٦ انظر سورة سبأ ٦، الإسراء ١٠٧، ١٠٩.
٧ انظر سورة النحل ٤٣.

<<  <   >  >>