للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

استفتح باب الملكوت بالتحيات.. أذن له بالدخول في حرم الحي الذي لا يموت، فقرّت عينه بالمناجاة، فنبّه على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته، فالتفت فإذا الحبيب حاضر ثمّ، فأقبل عليه قائلا (السلام عليك ... ) إلخ.

ولا يعارض وجوب الخطاب الخبر الدالّ على اختصاص ذلك بحياته صلى الله عليه وسلم، وهو ما صح عن ابن مسعود: (أنهم كانوا في حياته صلى الله عليه وسلم يقولون في التشهد: السلام عليك أيها النبي، فلما قبض.. قالوا السلام على النبي) «١» لما بينته في «شرح العباب» «٢» .

وأيضا: فلفظه ليس صريحا في أن هذا إجماع، وإنما هو حكاية عن جمع، وليس حجة على غيرهم، على أنه يلزمهم أحد أمرين: إما أنهم في بعدهم عنه في حياته بنحو سفر كانوا لا يخاطبونه، فينافي عموم قوله: (كانوا


(١) أخرجه البخاري (٦٢٦٥) ، والبيهقي (٢/ ١٣٨) ، وأبو عوانة (٢٠٢٢) ، وغيرهم.
(٢) في هامش (ج) : (قال شيخنا في «شرحه على العباب» : وخوطب صلى الله عليه وسلم كأنه إشارة إلى أنه تعالى يكشف له عن المصلين من أمته حتى يكون كالحاضر معهم بأفضل أعمالهم، وليكون بذلك حضوره سببا لمزيد الخشوع والحضور، ثم رأيت الغزالي قال في «الإحياء» : «وقبل قولك: السلام عليك أيها النبي.. أحضر شخصه الكريم في قلبك، وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك بما هو أوفى» اهـ ولا ينافي ما تقرر قول ابن مسعود: «كنا نقول في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام عليك أيها النبي، فلما قبض صلى الله عليه وسلم.. قلنا: السلام على النبي» وذلك؛ لأن هذا اللفظ رواية أبي عوانة، ورواية البخاري الأصح منها بينت أن ذلك ليس في قول ابن مسعود، بل من فهم الراوي عنه، ولفظها: «فلما قبض.. قلنا: سلام» يعني: على النبي، فقوله: «قلنا: سلام» يحتمل أنه أراد به استمررنا على ما كنا عليه في حياته، ويحتمل أنه أراد أعرضنا عن الخطاب، وإذا احتمل اللفظ.. لم يبق فيه دلالة، وحيث لم يبق فيه دلالة.. لم يصح لمعارضة وجوب الخطاب؛ إذ وجوب الخطاب عرف واستمر، إذ لم يعارضه ما يستدل به على الإعراض.. الخطاب في لفظ ابن مسعود على رواية البخاري، ولا ينظر إلى لفظ أبي عوانة؛ إذ رواية البخاري أصح، وقد بينت أن لفظ ابن مسعود ليس فيه على النبي، وإنما هو: «قلنا: سلام» ففهم الراوي أن المراد: سلام على النبي، فقال: على النبي) .

<<  <   >  >>