للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الأسباب، وعلى ما نظنه يظهر أن الأمر في هذا لا يفهم إلا من خلال رأي قريش في التحمس وهو أنهم عزلوا أنفسهم به من حيث أرادوا تسودًا ورفعة قبلية.

وكانت النتيجة أن ظهرت قريش وعليها طابع الذلة عند مفاوضتها لأبرهة، وتخلف العرب عنه. يقول ابن هشام: ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده.

ويبدو لنا أن حلف الفضول؛ وهو يحمل في طياته نزعة إنسانية عالية حيث تعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا أقاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته.

قلنا: يبدو لنا -ولا سيما أنه كان معه حملة أبرهة- أنه رد فعل لموقف العرب من قريش وأبرهة وتحويل للجانبين السياسي والاجتماعي لمذهب الحمس القرشي الذي وصفه الرسول بقوله: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت؛ تحالفوا أن ترد الفضول على أهلها وألا يعزّ ظالم مظلومًا".

بينما قريش وصفته بقولها١: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر، فلم يكن الحلف واقعا من قريش موقع الرضا إنما اعتبرته تدخلا في فضل من الأمر.

ونلاحظ أن الدعوة إليه كانت في دار عبد الله بن جدعان ولو رضيت عنه قريش لدعو إليه في دار ندوتهم.

على أية حال نرى أن ما ابتدعته قريش من رأي الحمس يرجع إلى ما قبل أبرهة بكثير منذ نزعت العرب إلى تقليد الكعبة بطواغيتها، وقد أورد ياقوت نصا يؤيد فيه ما وصلنا إليه، ويقول فيه: كانت تحج إليها وفود حمير وكندة وغسان مقرِّين بأنهم مدينون للحمس من قريش ويرون تعظيمهم والاقتداء بآثارهم فرضًا وشرفًا عندهم.


١ معجم البلدان.
أما الأزرقي فإنه يرى أن ظهور الحمس كان بعد حادثة الفيل "١: ١١٨" أخبار مكة.

<<  <   >  >>