للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

التطور في الرسوم التي سبقتهم، فاستخدموا الطريقة التخطيطية والخطوط اللينة في تصوير طائفة من حيوانات بيئتهم وطائفة من مجالات نشاطهم البشري، وطائفة من التكوينات الزخرفة اللطيفة، ونماذج من قواربهم، في أشكال مختصرة سريعة أخرجوها في حيوية مقبولة. وبقي من مجموعاتها الناجحة ما يصور أربعة من أفراس النهر تدور خلف بعضها حول دائرة في قاع إناء مرة، وما يصورها تدور خلف بعضها حول أربع أسماك في قاع إناء آخر، وتتعاقب بعد بعضها في إطار إناء ثالث١.

وصوروا بعض عاداتهم الاجتماعية تصويرًا بدائيًّا، فصوروا راقصين وراقصات يرقصون فرادى وجماعات ويؤدون حركات تمثيلية، ويزين رجالهم رءوسهم بريش طويل٢. ولكن ظل نجاحهم في تقليد ملامح الإنسان أقل من نجاحهم في تصوير هيئة الحيوان، فكانوا يعبرون عن رأس الإنسان بنقطة بيضاء لا تتضمن شيئًا من التفاصيل غير تصوير الشعر القصير للرجل وتصوير الشعر المرسل للأنثى، وعبروا عن الجذع العلوي للرجل بما يشبه هيئة المثلث المقلوب، وعبروا عن ساقيه بخطين متجاورين، وكان عجزهم عن تصوير تفاصيل الجسم البشري تصويرًا سليمًا يشبه عجز أهل العصور البدائية في الحضارات القديمة كلها عن تصوير أنفسهم.

وصوروا صيد البر، ومن أطراف ما يستشهد به من مناظرهم، منظر صغير في قلب صفحة يصور صيادًا يحمل قوسه ويشد خلفه أربعة كلاب وينطلق في سبيله لصيد الظباء. وجمع الرسام في تنفيذ هذا المنظر الصغير بين الخطوط الحادة والخطوط اللينة، واتضحت له خلاله عدة محاولات لتوضيح مفردات رسمه، فرتب الكلاب في صف رأسي حتى يظهر كل كلب منها بصورته كاملة، عوضًا عن رسمها على حالها في الطبيعة يختلط بعضها ببعض ويخفى بعضها بعضًا، وعبر عن بيئة الصيد بوسائله البسيطة فصور في محيط منظره مثلثات صغيرة تعبر عن التلال، وصور في طريقه فروعًا نباتية صغيرة تعبر عن الأشجار، وحاول أن يظهر أكبر قسط من جسم الصياد، فصوره من زاويتين، بأن رسم صدره وكتفيه من الأمام، ورسم بقية جسمه من الجانب٣. وجرت أغلب الرسوم الناقدية على المنوال نفسه، في تصوير الإنسان والحيوان، فظلت تصور مفردات رسمها مستقلة عن بعضها، الواحد منها فوق الآخر أو بجانب الآخر، دون أن يخفيه أو يقاطعه. واعتادت على أن تصور ذوات الأربع من الجانب فيما خلا القرنين إذا كانا مقوسين مثل قرون الثيران فقد اعتادت على تصويرهما من الأمام٤. وعلى الرغم من بساطة هذه الوسائل، أصبح بعضها من مستلزمات الرسم المصري في أغلب عصوره، فظل الرجل يصور من أكثر من زاوية واحدة في آن واحد، وظل الرسامون يحرصون على إظهار مفردات رسمهم مستقلة بعضها عن بعض، عن طريق ترتيبها خلف بعضها أو تصويرها على مبعدة من بعضها. وسوف نرى أمثال هذه الوسائل لبقية فنون الأمم الشرقية الأخرى.


١ Prehistoric Egypt, Pl. Xviii, ٧١-٧٢; Jea, Xv, Fig. ١, O. ٢٦١.
٢ Prch. Eg., Pl. Xviii, ٧٤; Jea, Xiv, Pl. Xxviii; Baumgartel, The Cultures Of Prehistoric Egypt, ٣٠, ٦٤.
٣ Zaes, Lxi, ٢١, Taf. Ii, ٢.
٤ Jea, Xiv, Pl. Xxviii; Corpus, Pl. XXV.

<<  <   >  >>