للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وكان جيش محمد كما أراد، قليلًا بعدده، كثيرًا بإيمان رجاله وثبات نفوسهم وتصميمهم على الوصول لأهدافهم.

وكانت خيبر مكونة من ثلاث مناطق حربية: منطقة الوطيح والسلالم وفيها أدخل اليهود أموالهم وعيالهم، ومنطقة الكتيبة وأدخلوا فيها ذخائرهم، ومنطقة النطاة وفيها دخل المقاتلة ورجال الحرب وحولهم دار القتال الأول.

استبسل اليهود استبسالًا عظيمًا في القتال، ولم يرتدوا عن شبر من الأرض بعد قتال شديد عنيف، واستمر القتال أيامًا عديدة حتى قلَّت المئونة عند المسلمين وأجهدوا إجهادًا شديدًا، مما جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يتجه إلى الحصون التي بها الأموال والمؤن، وفي هجمات قوية استطاع أن يوفر لرجاله ما هم في حاجة شديدة إليه من التموين بفتح بعض الحصون مثل حصن الصعب بن معاذ، فقد وجدوا فيه كثيرًا من التموينات أغنت المسلمين ومكنتهم من مواصلة القتال.

وبعد قتال عنيف سقطت حصون خيبر وسلمت منطقة الكتيبة منها دون قتال، ووقع كثير من السبي والغنائم في أيدي المسلمين.

لم يُجْلِ النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل خيبر عنها بل أبقاهم للقيام على زراعة أرضها مناصفة؛ لأنه لم يكن لديه من العمال الزراعيين من يقوم على زراعة أرضها، وكانت منطقة غنية خصيبة، ولا شك أن اليهود أقدر على زراعتها والقيام على استثمارها، ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في حاجة إلى رجاله؛ لأن الدولة مازالت تحوطها المخاطر وهي في أشد الحاجة إلى كل قادر على حمل السلاح. كما أنه لا يصح أن تترك مثل هذه الأرض الخصبة بدون استغلال، بينما الدولة في حاجة إلى المئونة والمال، ثم إن قوة اليهود قد قضى عليها بعد هذا النصر، ولم تعد لهم شوكة يخاف منها.

فقد سالم يهود فدك، ويهود وادي القرى، على ما سالم عليه يهود خيبر، أما يهود تيماء فقد أذعنوا وقبلوا دفع الجزية بدون قتال، وبذلك دانت اليهود كلها لسلطان النبي -صلى الله عليه وسلم- وانتهى كل ما كان لهم من سلطان في شبه الجزيرة١.

وبانتهاء سلطان اليهود تغير الموقف تغيرًا نهائيًّا في جزيرة العرب لصالح المسلمين، وأتم النبي -صلى الله عليه وسلم- خطته لإحكام الحصار حول مكة، والحقيقة أن مكة بعد غزوة خيبر أصبحت كالثمرة الناضجة تستعد للسقوط.


١ انظر عن غزوة حنين: ابن هشام ٣/ ٣٧٨- ٤١٠. الواقدي ٣١٢- ٣٢٠. ابن سعد ٣/ ١٥٢- ١٦٣. إمتاع ١/ ٣١٠- ٣٣٢.

<<  <   >  >>