للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومحامده الذاتية١. وكان الشعور بالاندماج في القبيلة أقوى من مثيله في المجتمعات الحديثة، وذلك يرجع إلى تصورهم الخاص للقبيلة. فنحن إذا ذكرنا دولة من الدول فإنما نعني جمعًا من الناس ينزلون أرضًا واحدة، ويستظلون سماء واحدة ينتفعون بخيرات مشتركة، وقد يكون من هؤلاء المتجنسين بجنسية هذه الدولة المتمتعين بحقوق المواطنة فيها مَن هم في أنفسهم مِن أجناس أخرى ومنابت أخرى. بينما نجد الحال على عكس ذلك في المجتمع العربي، فقد كانت القبيلة صورة تامة بالمعنى الحرفي لكلمة أسرة. فإذا قيل بنو أسد مثلًا كان معنى ذلك أن رجلًا اسمه أسد عاش في الزمن القديم، وتوالدت عنه هذه الأسرة التي أصبحت قبيلة اتخذت اسم رئيسها الأول كنية لها، فكل هذه القبيلة إخوة بالمعنى الصحيح يتغلغل في عروقهم دم واحد هو دم أبيهم القديم. حقيقة كان في القبيلة من ينتمي إليها من غير أبنائها عن طريق الولاء، إلا أن صلب القبيلة كان من أبنائها الذين يردون نسبهم إلى أصلها، ثم إنه كان من ناحية أخرى النسب العربي العام الذي يرد العرب أنفسهم جميعًا إليه، فهؤلاء الموالي يجتمعون مع القبيلة في النسب العام وتربطهم بها المصلحة المشتركة. والحق أن الإنسان إذا شعر بأنه من أسرة فإن شعوره نحوها يكون أشد من شعوره إذا كان فردًا من أمة؛ لأن المسألة حينئذ تكون أبوة أو أخوة أو عمومة، ويكون موقفه هنا غير موقفه هناك٢. فإذن مصدر قوة العصبية عند العرب هو شعورهم بأنهم أفراد أسرة واحدة.

والعصبية كانت قوية شديدة الأثر في حفظ التوازن بين الجماعات القبلية التي يتألف منها المجتمع العربي، وفي دفع الناس بعضهم ببعض وصيانة حقوقهم وكرامتهم، بل وحياتهم.

وبالرغم من أن الإسلام جاء بالقضاء على العصبية القبلية، وجعل المسلمين كلهم إخوة بغض النظر عن قبائلهم، فإن سلطان العصبية وشدة رسوخها ظل قويًّا، وكان لها أثر فعال في كثير من أحداث التاريخ الإسلامي وسيره وتطوره حتى القرن الثالث الهجري، أي حتى ضعف العنصر العربي، وإن ظل أثرها باقيًّا بعد ذلك في أقاليم


١ انظر معلقة عمرو بن كثلوم حيث لم يتحدث الشاعر عن نفسه إطلاقًا، وإنما اندمج في حديث عن قبيلته ومحامدها العامة، وهو بذلك كأنما يتحدث عن نفسه ويفخر بمحامده الشخصية، وهذه المعلقة تعبير صادق عن روح التفاني في الجماعة القبلية. "جمهرة أشعار العرب ص١٥٧ وما بعدها: الطبعة الأولى. مصر ١٣٣".
٢ انظر: ابن خلدون، المقدمة ١٤٣- ١٤٤.

<<  <   >  >>