للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فمرّ به الفرزدق ذات يوم، فتعبث به يحيى وذكر بعض شعره، وكان يحيى أعلم أهل زمانه بالنحو، فقال له الفرزدق: مرة عند الحجاج تلحنه، ومرة تخبر يزيد بن المهلب بشربك النبيذ، ومرة تتعرض للفرزدق، وما أتى هذا كله إلا من طول لحيتك! فقال يحيى: ياأبا فراس، لو صلح أن نقطع منها مايزيد في لحيتك فعلنا! فقال الفرزدق: ياأحمق، لو أن هذا يكون لما تركك كواسج قومك وعليك منه شئ! فقال: مازحناك، ياأبافراس! قال: نحن جاددناك! إن شئت فزد حتى نزيد.

مات يحيى رحمه الله في سنة ثلاث وثمانين.

[٣ - ومن أخبار نصر بن عاصم الليثي]

كان ممن أخذ العربية من أبي الأسود وكان فقيها، وقيل أيضاً: إنه أوّل من نقط المصاحف.

[٤ - ومن أخبار سعد الرابية]

هو سعد بن شداد اليربوعي، أخذ النحو من أبي الأسود. وإنما قيل له سعد الرابية لأنه كان يعلم النحو في مكان يقال له رابية بني تميم. قال فيه الفرزدق:

إني لأبغض سعداً أن أُجاوره ... ولاأحب بني عمرو بن يربوع

قوم إذا غضبوا لم يخشهم أحد ... والجار فيهم ذليل غير ممنوع

وكان مضحكاً لزياد.

[٥ - ومن أخبار عنبسة بن معدان الفيل]

كان أبرع أصحاب أبي الأسود. وإنما لقب أبوه بالفيل لأنه كان قد أهدى إلى زياد فيل، فكان يجري عليه في كل يوم عشرة دراهم، فجاء معدان وهو من أهل ميسان، فقال: ادفعوه إلى وخذوا مني في كل يوم عشرة دراهم! فدفعه إليه زياد، فكان يدور به في البصرة ويكتسب به فأثرى. - وادعى إلى مهرة بن حيدان.

[٦ - ومن أخبار عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي]

كان يقال له أعلم أهل البصرة وأعقلهم، فرع النحو وقاسه، وتكلم في الهمز حتى عمل فيه كتاب مما أملاه. كان يقول: قد آذاني هؤلاء الفترخانيون! والفترخة المبالغة في الشئ والتعمق فيه، وأنشد أعرابي:

يصد الفترخانيون عني ... كما صدت عن الشرط الجوالي

إذا اجتمعوا على ألف وباه ... فيالك من قتال أو جدال

اجتمع أبو عمر بن العلاء وعيسى بن عمر وابن أبي أسحاق عند بلال بن أبي بردة، فقال: أنشدوني أنصاف أبيات مكتفية. فأنشد عيسى بن عمر لنمر بن تولب:

فكيف ترى طول السلامة يفعل

وأنشد عبد الله لحميد بن ثور:

وحسبك داءً أن تصح وتسلما

وأنشد أبو عمرو لأبي ذؤيب:

والدهر ليس بمعتب من يجزع

قال عبد الله يوماً عند الحسن: رَعُفْتُ. فقال الحسن: تقول " رعُفتُ " وأنت رأس في العربية؟ قل: رعَفتُ.

توفي ابن أبي اسحاق قبل الثلاثين والمائة رحمه الله.

[٧ - ومن أخبار أبي عمرو بن العلاء]

قال المرزباني: لم يكن أصحابه يعرفون اسمه سنين إجلالاً له، قيل: اسمه كنيته. قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو بن العلاء: مااسمك؟ فقال: أبو عمرو. وقيل: إن أسمه زبان وهو أثبت، وقيل: ريان، وقيل: جزء، وقيل: عتيبة، وقيل: العريان وهو الأكثر عند العلماء، واسم أبي العلاء عمار، قال الفرزدق:

مازلت أفتح أبواباً وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار

حتى أتيت فتى ضخما دسيعته ... مُرّض المريرة حراً وابن أحرار

وعمار هو ابن عبد الله بن الحصين بن الحارث بن جلهمة من بني مازن بن مالك ابن عمرو بن تميم.

وكان لأبي عمرو ثلاثة إخوة: أبو سفيان - واسمه عيينة - وعمر ومعاذ، وأبو عمرو وأسنهم. وكان يقول: نحن من أهل كازون. - وقال أبو عمرو بن العلاء: إني دعي، فلو كنت مدعيا لادعيت الى من هو أشرف ممن أنا منه. - كان أسمر طوالا ضرب البدن حاد النظر فهما عالما مشدود الثنيتين بالذهب.

وقال: إن لأهل الكوفة حذلقة النبط وصلفها، ولأهل البصرة حدة الخوز ونزقها، ولنا دهاء فارس وأحلامها. - قيل: كانت دفاتر أبي عمرو ملأ بيت إلى السقف، ثم انتسك فأحرقها. وكان رأساً في القرآن والحسن حيُّ، وكان من التابعين، لقي أنس بن مالك. ومر الحسن به وحلقته متوافرة والناس عكوف، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو عمر. قالَ: لاإله إلا الله، كاد العلماء أن يكونوا أرباباً! - كان يشتري كلَّ يوم كوزاً بفلس، فيشرب فيه يومه، ثم يتصدق به، ويشتري بفلس ريحاناً فيشمه، ثم يجففه ويخلطه بالأشنان.

<<  <   >  >>