للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

القلب بموت صاحبه، لم يبق خيال ولا حواس، وفي ذلك الوقت يبصر بغير وهم وغير خيال، ويقال له: {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق - ٢٢] "١.

ويبين أنه عن طريق الرياضة والمجاهدة ينفتح له ذلك وأنه يبصر في اليقظة الذي يبصره في النوم فتظهر له أرواح الملائكة والأنبياء والصور الحسنة الجميلة الجليلة، وينكشف له ملكوت السموات والأرض، ويرى ما لا يمكن شرحه ولا وصفه - كما يقول -٢.

وهذا الذي يقع في قلوب الأولياء هنا يقع في قلوبهم بلا واسطة من حضرة الحق - تعالى - كما يقول الغزالي - فهم مثل علم الأنبياء٣. وهو هنا يقترب من الفلاسفة في تعريفهم للنبوة؛ وهو مما أغلظ فيه كثير من العلماء على الغزالي٤.

وهذا الكشف هو الحاكم على السمع، فما وافق الكشف أخذوه، وما خالف الكشف أولوه، يقول الغزالي: "وحد الاقتصاد بين هذا الانحلال كله وبين جمود الحنابلة دقيق غامض، لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي، لا بالسماع، ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه، نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أولوه. فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد، فلا يستقر له فيها قدم، ولا يتعين له موقف"٥.

ويقول الرازي في بيان الطريق للكشف وأنه من الطرق الموصلة إلى المعارف المقدسة: "اعلم أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الطريق إليه من وجهين: أحدهما: طريق أصحاب النظر والاستدلال. والثاني: طريق أصحاب الرياضة والمجاهدة"٦.

وقال في الطريق الثاني: "وأما الطريق الثاني، وهو طريق أصحاب الرياضة فهو طريق عجيب أكيد قاهر، فإن الإنسان إذا اشتغل بتصفية قلبه عن ذكر غير الله، وداوم بلسان جسده، ولسان روحه على ذكر الله، وقع في قلبه نور وضوء وحالة قاهرة وقوة عالية،


١ - كيمياء السعادة للغزالي ص ٢٤، وانظر: إحياء علوم الدين ٣/٢١.
٢ - انظر: كيمياء السعادة ص ٢٥.
٣ - انظر: المرجع السابق ص٢٥ - ٢٧.
٤ - انظر: الرد على المنطقيين ص ٥١٠.
٥ - إحياء علوم الدين ١/١٠٤، وانظر تعليق ابن تيمية في الدرء ٥/٣٣٩ - ٣٤٠.
٦ - المطالب العالية ١/٥٣.

<<  <   >  >>