للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ثالثاً: أن الطبع لا يكون مبدءاً لحركة الجسم، وانتقال أصله، إلا إذا أخرج عن طبعه بغير طبعه، كما يجمع بين الأجسام بالمزج والخلط، فتنتقل عن مراكزها ومحالها، المخالف لمقتضي طبعها، وعند التحقيق يعود الطبع إلى أنه ليس فيها سبب للحركة عن حالها وسكونها، فيكون الطبع بمنزلة السكون وعدم الحركة، أو أمراً وجودياً منافياً للحركة، فالحركة الواردة عليها مخالفة له، والطبع جمود، وهي تنتقل عن إرادة وحركة فعلم بطلان إصابة شيء من الحوادث العرضية عن مجرد الطبع الذي في الموات، فكيف بالحوادث الجوهرية. والإرادة والاختيار مستلزمة للحياة والعلم، كما أن الحياة أيضاً مستلزمة للعلم وللإرادة بل وللإرادة والحركة كما قرر ذلك عثمان بن سعيد وغيره من أئمة السنة١.

رابعاً: أن يقال: "من أين للطبيعة هذا الاختلاف، والفرق الحاصل في النوع الإنساني بين صورهم؟ فقلّ أن يرى اثنان متشابهان من كل وجه، وذلك من أندر ما في العالم، بخلاف أصناف الحيوان كالنعم والوحوش والطير وسائر الدواب..والحكمة البالغة في ذلك أن الناس يحتاجون إلى أن يتعارفوا بأعينهم، وحلاهم، لما يجرى بينهم من المعاملات، فلولا الفرق والاختلاف في الصور، لفسدت أحوالهم، وتشتت نظامهم، ولم يعرف الشاهد من المشهود عليه، ولا المدين من رب الدين، ولا البائع من المشتري..وفي ذلك أعظم الفساد والخلل، فمن الذي ميز بين حلاهم، وصورهم، وأصواتهم، وفرق بينها بفروق لا تنالها العبارة، ولا يدركها الوصف؟ فسل المعطل: أهذا فعل الطبيعة؟ وهل في الطبيعة اقتضاء هذا الاختلاف والافتراق في النوع؟ وأين قول الطبائعيين أن فعلها متشابه لأنها واحدة في نفسها، لا تفعل بإرادة ولا مشيئة فلا يمكن اختلاف أفعالها! فكيف يجمع المعطل بين هذا وهذا؟ {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج - ٤٦] "٢.

ويقول أحد العلماء الغربيين:"..مما لا يتفق مع العقل والمنطق، أن يكون ذلك التصميم البديع للعالم من حولنا، إلا من إبداع إله أعظم، لا نهاية لتدبيره وإبداعه..حقيقة إن هذه طريقة قديمة من طرق الاستدلال على وجود الله، ولكن العلوم الحديثة قد جعلتها أشد


١ - انظر: قاعدة في المحبة ص١٩٥ - ١٩٦.
٢ - مفتاح دار السعادة ٢/٢١٣ - ٢١٤.

<<  <   >  >>