للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

٤- التكامل:

وإذا كان هذا الدين قد بلغ ذروة الكمال والتمام والشمول، فإن العقيدة كذلك عقيدة تتميز بالتكامل، فهو كمال متكامل، تتجمع فيها كل الأجزاء وتترابط ترابطا دقيقا يأخذ بعضها بحُجَز بعض لتشكل كلا موحدا متناسقا، لا يقبل التجزئة والانفصام. ولذلك فإن الأحكام فيها تؤخذ "كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامها المرتب على خاصها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر ببيِّنها ... إلى ما سوى ذلك من مناحيها"١.

ونجد للتكامل في العقيدة صورا شتى:

فأركان الإيمان كلها مترابطة ارتباطا وثيقا، يكمل كل منها الآخر ويرتبط به، بحيث لو حصل إخلال بواحد منها أو إنكار له، كان تأثيره على سائرها واضحا، بل إن هذه الأركان تتجمع وتتضامّ حول الركن الرئيسي وهو الإيمان بالله تعالى. ومن هنا تأتي أركان الإيمان كلها في سياق واحد يحقق صفة الإيمان لصاحبها، وتأتي النصوص القرآنية كذلك لتؤكد على الارتباط بين الإيمان بالله والإيمان بالملائكة، وتقرن الإيمان بالله مع الإيمان باليوم الآخر، وتجعل الإيمان بالرسل أمرا لا يتجزأ، فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم جميعا، بل قد كفر بالله تعالى؛ لأنهم جميعا جاءوا من عند الله -سبحانه وتعالى- برسالة واحدة، وقد قرر الله تعالى ذلك في آيات كثيرة من القرآن الكريم.

وصورة أخرى لهذا الترابط نجدها في الصلة بين العقيدة أو الإيمان من جانب والعبادات والمعاملات وسائر الأحكام الشرعية العملية والخلقية. وتمتزج فيها الأحكام التشريعية بالأحكام الأخلاقية النابعة من الإيمان بالله تعالى وخشيته وتقواه.

وصورة ثالثة لهذا الترابط والتكامل في العقيدة نراها في تكامل الفكر والعمل أو الإيمان والعمل حيث أصبحا "شيئين يكمل بعضهما بعضا، ويقوي بعضهما بعضا, أو هما جانبان لشيء واحد، إذ رسوخ الفكرة الإسلامية يدفع للعمل بمقتضاها، والمواظبة على العمل بمقتضى الفكرة الإسلامية, يدعمها ويزيدها رسوخا.

"ثم إن الاتصال بوحي السماء يجعل للفكرة الدينية في جملتها مصدرين يمدّانِها بالغذاء والنماء، وهما العقل والقلب. ومن أجل ذلك سميت الفكرة الإسلامية إيمانا وعقيدة، واعتبر العمل خاصتها اللازمة لها"٢.

ولهذه الخاصية آثار تظهر في التناسق مع الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، فالإنسان بما فيه من تكامل في أصل الخلقة يجد الطمأنينة والراحة النفسية في هذا التوافق والتكامل في العقيدة وآثارها, وبذلك ينزع الإسلام من نفس الإنسان عوامل القلق والاضطراب.

كما أن هذه الخاصية توحِّد اتجاه الإنسان وحركته بما تقوم به من "التوفيق التام بين الوجهتين: الروحية والمادية في الحياة الإنسانية. وإنك لترى هاتين الوجهتين في تعاليم الإسلام تتفقان في أنهما لا تدعان تناقضا أساسيا بين حياة الإنسان الجسدية وحياته الأدبية فحسب، ولكن تلازمهما هذا وعدم افتراقهما فعلًا أمر يؤكده الإسلام، إذ يراه الأساس الطبيعي للحياة"٣.


١ "التفكير الفلسفي الإسلامي" د. سليمان دنيا ص٢٤٧، ٢٤٨.
٢ "الاعتصام" للشاطبي: ١/ ٢٤٥.
٣ "الإسلام على مفترق الطرق" لمحمد أسد ص٢٢.

<<  <   >  >>