للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الاستعارة مجاز لغوي لا عقلي]

والدليل على أن الاستعارة مجاز لغوي كونها موضوعة للمشبه به, لا للمشبه ولا لأمر أعم منها؛ كالأسد فإنه موضوع للسبع المخصوص لا للرجل الشجاع ولا للشجاع مطلقا؛ لأنه لو كان موضوعا لأحدهما لكان استعماله في الرجل الشجاع من جهة التحقيق لا من جهة التشبيه، وأيضا لو كان موضوعا للشجاعة مطلقا لكان وصفا لا اسم جنس.

وقيل: الاستعارة مجاز عقلي؛ بمعنى أن التصرف فيها أمر عقلي لا لغوي١؛ لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به؛ لأن نقل الاسم وحده لو كان استعارة لكانت الأعلام المنقولة كـ "يزيد ويشكر" استعارة، ولما كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة؛ لأنه لا بلاغة في إطلاق الاسم المجرد عاريا عن معناه، ولما صح أن يقال لمن قال: "رأيت أسدا" يعني زيدا: إنه جعله أسدا،

كما لا يقال لمن سمى ولده أسدا: إنه جعله أسدا؛ لأن "جعل" إذا تعدى إلى مفعولين كان بمعنى "صير" فأفاد إثبات صفة للشيء، فلا تقول: "جعلته أميرا" إلا على معنى أنك أثبت له صفة الإمارة، وعليه قوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} ٢ المعنى: أنهم أثبتوا صفة الأنوثة، واعتقدوا وجودها فيهم، وعن هذا الاعتقاد صدر عنهم للملائكة إطلاق اسم الإناث عليهم، لا أنهم أطلقوه من غير اعتقاد ثبوت معناه لهم؛ بدليل قوله تعالى: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} .

وإذا كان نقل الاسم تبعا لنقل المعنى؛ كان الاسم مستعملا فيما وضع له؛ ولهذا صح التعجب في قول ابن العميد:

قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز علي من نفسي

قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس٣

والنهي عنه في قول الآخر:

لا تعجبوا من بِلَى غلالته ... قد زر أزراره على القمر٤

وقوله:

ترى الثياب من الكتان يلمحها ... نور من البدر أحيانا فيُبليها

فكيف تنكر أن تبلى معاجرها ... والبدر في كل وقت طالع فيها٥

والجواب عنه أن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به لا يُخرِج اللفظ عن كونه مستعملا في غير ما وضع له. وأما التعجب والنهي عنه -فيما ذكر- فلبناء الاستعارة على تناسي التشبيه؛ قضاء لحق المبالغة.

<<  <  ج: ص:  >  >>