للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

على ربو "ليبيا"، حرم أهلها المعيشة الطيبة "في مصر" وما عادوا يجرءون على السعي بين المزارع، وتوقف سعيهم في يوم واحد". وصور الشاعر عودة السلام إلى مشارف مصر فذكر أن أهلها الأصليين عادوا يسعون فيها بغير عائق ولا خوف، وأن حراس المعاقل غدوا ينامون ملء جفونهم ولا توقظهم غير حرارة الشمس، وأن الماشية أصبحت ترعى بين الحقول بغير رعايا ... ، وأصبح الناس يروحون ويغدون وهم يترنمون، وما عاد أحد يسمع صياح قوم يتوجعون ... ، وجثا شيوخ "المهاجرين" يقولون سلامًا سلامًا ... "١.

وجدير بالذكر أن محاربة المصريين للربو أو الليبيين الجدد وحلفائهم في هذا العهد لم تمنعهم في الوقت نفسه من استخدام أهل الحدود الغربية الأصليين المسالمين في حراسة معاقلهم الصحراوية، بل ولم تمنعهم من استخدام بعض المهاجرين الآريين القدماء من المشاوش والقحق في جيوشهم وفي مراقبة المهاجرين الشرسين الجدد بأنفسهم٢.

ويذكر لعهد مرنبتاح وفاؤه لمعاهدة أبيه مع الحيثيين بأن أمدهم بمدد كبير من الغلال حينما خربت هجرات شعوب البحر أرضهم وقضت في النهاية على استقلالها، وكان قد اضطر في مرة سابقة إلى تأديبهم.

غير أنه يبدو أن بذور المشاكل ظل لها وجودها على الرغم من جهود مرنبتاح وجيوشه، فقد اضطربت أحوال مصر الداخلية بعد عهده، وولي عرشها ولده سيتي الثاني مرنبتاح "وسر خبرو رع" الذي لم يطل عهده أكثر من سبع سنوات مرت دون أثر جليل يذكر لها إلا ما أبقت عليه المصادفات من الكراسات التعليمية التي نسخها بعض الطلبة خلالها٣. وحدث على العكس أن أشارت بعض بردياتها إلى اضطراب داخلي شمل منطقة طيبة ويحتمل أن أصحابه أنصار آمون عبروا به عن سخطهم على أصحاب العاصمة المحدثة بر رمسيس وربها ست بعد أن مضت عهود فراعنتها الكبار٤. وفي الحياة العادية أشارت إحدى برديات العهد وبعض لخافه على قضية اتهم عامل فيها أحد رؤسائه بالسلب والرشوة والشروع في القتل وسرقة الأحجار من قبر فرعونه، كما اتهم فيها وزير الصعيد بقبول الرشوة٥. ثم قضية أخرى صغيرة اتهم فيها عامل بسب فرعونه وهذه الأخيرة وإن كانت شيئًا تافهًا إلى أنها تكشف عن إمكان إحساس رجل الشارع بتفاهة ما يردده الرسميون والكهنة عن قداسة فرعونهم وجلاله ...

واستمر القلق السياسي حول وراثة العرش بعد وفاة سيتي، وتردد من الأسماء المتطلعة للعرش "أمنمس" ولعله أحد أحفاد رمسيس الثاني. واستغل هذا الوضع المضطرب سوري متمصر يدعى "باي" كان


١ Wilson, Op. Cit., ٣٧٦ F.
٢ Cf. Papyrus Anastasi, I, ١٧, ٤; Iv, ١٠, ٨; A. Erman, Die Literatur, ٣٤٥.
٣ ألكسندر شارف: تاريخ مصر ... – ص١٥٩.
٤ Cf., A. H. Gardiner, Late Egyptian Miscellanies, ١٩٣٧.
٥ Papyrus Salt, ١٢٤; Jea, Xv, ٢٤٣ F.; See Also, Gardiner, The Inscriptions Of Mes, ١٩٠٥; R. Anthes, Mitt. Cairo, Ix, ٩٣ F.

<<  <   >  >>