للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

لا إله إلا الله. فإنه يفنى من قلبه كل تأله لغير الله، ولا يبقى في قلبه تأله لغير الله، وكل من كان أكمل في هذا التوحيد كان أفضل عند الله.

والثاني أن يفنى عن شهود ما سوى الله، وهذا الذي يسميه كثير من الصوفية حال الاصطلام والفناء والجمع ونحو ذلك، وهذا فيه فضيلة من جهة إقبال القلب على الله، وفيه نقص من جهة عدم شهوده للأمر على ما هو عليه، فإنه إذا شهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه المعبود لا إله إلا هو، الذي أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأمر بطاعته، وطاعة رسله، ونهى عن معصيته، ومعصية رسله، فشهد حقائق أسمائه وصفاته وأحكامه خلقاً وأمراً، كان أتم معرفة وشهوداً وإيماناً وتحقيقاً، من أن يفنى بشهود معنى عن شهود معنى آخر، وشهود التفرقة في الجمع، والكثرة في الوحدة، وهو الشهود الصحيح المطابق، لكن إذا كان قد ورد على الإنسان ما يعجز معه عن شهود هذا وهذا كان معذوراً للعجز، لا محموداً على النقص والجهل.

والثالث الفناء عن وجود السوى، وهو قول الملاحدة أهل الوحدة، كصاحب الفصوص وأتباعه الذين يقولون وجود الخالق هو وجود المخلوق، وما ثم غير ولا سوى في نفس الأمر، فهؤلاء قولهم أعظم كفراً من قول اليهود والنصارى وعباد الأصنام"١.

والمعنى الأول للفناء مطلوب. أما الفناء بالمعنى الثاني فهو الذي يظنه الصوفية غاية السالكين، مع أنه ليس غاية محمودة بل هو فناء الناقصين٢، وهو الفناء في شهود الربوبية، وهؤلاء"ليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج، بل فناؤه عن شهودهم وحسهم، فحقيقته غيبة أحدهم عن سوى مشهوده، بل غيبته أيضا عن شهوده ونفسه، لأنه يغيب بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبموجوده عن وجوده، وبمحبوبه عن حبه،


١ - مجموع الفتاوى٢/٢٦٨ - ٢٧٠، وانظر: مدارج السالكين١/١٥٤ - ١٥٥، ٣/٣٧٨ - ٣٨٠.
٢ - انظر: مدارج السالكين١/١٤٩، ١٥٥.

<<  <   >  >>