للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الحياة الإنسانية. هذه المظاهر اجتماعية بالذات يجدها كل فرد قائمة في بيئته ويتأثر بها تأثرًا قويًّا بوساطة فعل التربية وضغط المجتمع، حتى ليذهب هذا الضغط أحيانًا كثيرة إلى حد إكراه الفرد على اتخاذ مواقف مخالفة لرأيه الخاص، فإن معنى الحياة الاجتماعية أن يقبل الفرد هذه المظاهر ويتطبع بها؛ فيتلاءم مع المجتمع ويندمج فيه. فعلامة الظاهرة الاجتماعية أنها تفرض نفسها على الأفراد وتكرههم على الأخذ بها, كيف نفسرها؟ لقد تردد دوركيم بين قولين: أحدهما أن الأفكار والعواطف الاجتماعية صادرة عن "وجدان اجتماعي" متمايز من الوجدانات الفردية, وأعلى منها. وهذا القول يجعل للظاهرة الاجتماعية وجودا ذاتيا ولعلم الاجتماع موضوعا خاصا به لا يشاركه فيه علم آخر، ولكن هذا القول يشخص كلا مجموعيا، ودوركيم يعترف بأن ليس في المجتمع سوى الأفراد، ويعرض القول الآخر وهو أن الوجدان الاجتماعي، ولو أنه جملة الوجدانات الفردية، إلا أنه يؤلف كلا مغايرا لها كما يؤلف التركيب الكيميائي شيئًا مغايرًا للعناصر. وهذا القول يرجع إلى أن الحياة الاجتماعية تولد في الفرد ظواهر نفسية من نوع خاص، وينافي تعريف الظاهرة الاجتماعية كما ذكرناه, إذ يجعل منها ظاهرة نفسية فيرد علم الاجتماع إلى علم النفس ١.

ج- على أن دوركيم يحرص على أصالة علم الاجتماع ويستمسك بتعريفه للظاهرة الاجتماعية، ويضع مذهبا فلسفيا هو إحدى صور الفلسفة الحسية أو التجريبية أو الواقعية. فيذهب في مسألة المعرفة إلى أن المعاني والمبادئ العقلية نتاج الفكر المجموعي، فإنها كلية ثابتة إلى حد ما ضرورية لتنظيم التجربة "كما جاء عند كنط وسبنسر" بينما التصورات الحسية جزئية متغيرة، فالمعاني والمبادئ تعلو على الفكر الشخصي كما يعلو المجتمع على الفرد، فمعنى النوع يتضمن معنى القرابة بين الأفراد، ومعنى الجنس يتضمن معنى القرابة بين الأنواع ومعنى ترتيبها بعضها من بعض، وليس في الطبيعة "كما يتصورها الحسيون" قرابة ولا ترتيب، ولكنهما أمران اجتماعيان، ومعنى العلة يتضمن معنى


١ وبالفعل يذهب جبرييل تارد "أحد الاجتماعيين الفرنسيين المعاصرين" إلى أن ما يحدث هو أن يبتدع أحد الأفراد بدعة, فيتبعها البعض بفعل الإيحاء والمحاكاة, ويقاومها البعض بفعل اعتياد القديم، ثم تحدث ملاءمة تصير بها البدعة حالة اجتماعية.

<<  <   >  >>