للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

إليهم رسولًا منهم يعيدهم إليه ويظهر الله على يديه من المعجزات ما يظهر بها صدقه وتقوم بها حجته.

وقد كانت سنة الله تعالى في المعجزات أن تكون المعجزة التي يظهرها الله على يد كل نبي من أنبيائه من جنس ما برع فيه قومه وتفوقوا؛ حتى تكون أقوى حجة وأظهر برهانًا وأصدق دليلًا.

والتحدي أقوى ما يكون إذا تحديت إنسانًا فيما ظهر فيه وتفوق، فإذا تحدى شاب في سباق طويل رجلًا عجوزًا لا يكاد يقوم من مقعده إلا بعصا تسنده، ولا يكاد يمشي إلا دبيبًا، فإن تحديه هذا يكون موضع سخرية وهزء لا محل احترام وتقدير، ولكن التحدي يلقي التقدير إن تحدى شابًّا اشتهر بسرعة عدوه وتفوق فيه.

وهكذا كانت المعجزات التي يظهرها الله على يد أنبيائه تكون في نطاق ما يعرفون بل فيما فاقوا فيه معاصريهم.

وتدبر -مثلًا- معجزة موسى عليه السلام. أرسله الله سبحانه وتعالى إلى قوم قد نالوا في السحر درجة وشأوًا بعيدًا حتى امتلأت البلاد منهم، والسحر له حد ينتهي إليه لا يتجاوزه، فالساحر لا يستطيع أن يحول قطعة ورق إلى فئة نقدية "حقيقة" بل "يخيل" لك ذلك فإذا غاب عنك عادت إلى الحقيقة فإذا بها قطعة ورق.

والسحرة يلقون حبالهم وعصيهم أمام موسى "فيخيل" إليه أنها تسعى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} ١ وذلك لأنها لم تتحول حقيقة وإنما تحولت خيالًا.

وحين ألقى موسى عليه السلام عصاه لم يقل الله: يخيل إليه أنها تسعى، وإنما قال سبحانه: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} ٢.


١ سورة طه: الآية ٦٦.
٢ سورة طه: الآية ٢٠.

<<  <   >  >>