للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فيدعي أكثر من واحد أنها له، وكانت القبائل تعتز بما لها من نتاج أدبي، وتتيه على غيرها بالكثير المحفوظ لها منه، ويعتز السادة بما قيل فيهم وفي أسلافهم من روائع القول وفصيح البيان، فتسابق الكل في جمع ما كان لهم ولذويهم وأسلافهم من آثار، وأحس الرواة هذا الاهتمام من الجميع، فتسابقوا هم كذلك، في الجمع والرواية، وتنافسوا في الإكثار من ذلك ليفوق كل منهم سواه في الحظوة، والمنزلة، والمكافأة. وبطبيعة الحال نتوقع كذلك أن يتطرق إلى الأدب شيء من الدخيل، أو ما يظن أنه دخيل، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في حديثنا عن بعض الرواة فيما سبق.

ولم تكن هذه الملاحظة لتغيب عن الثقات من العلماء والرواة والباحثين منذ جمع الأدب الجاهلي وتدوينه، فقد تنبهوا إلى ذلك ووقفوا على كثير من النصوص التي ليست أصيلة، فعرفوها، ولم يقبلوها، واستطاعوا أن يميزوا بين الأصلي والمختلق، ويتبينوا الصحيح من الزائف. وكتب الأدب والتاريخ مملوءة بذكر ملاحظات هؤلاء الثقات وتنبيهاتهم، وقد أشرنا كذلك إلى بعضها في حديثنا عن الرواة، وأمثال المفضل والأصمعي، وأبي عمرو بن العلاء، وأبي عبيدة معمر بن المثنى.

من ذلك مثلًا، ما روي عن أبي عبيدة٢ أنه قال: "كان قراد بن حنش من شعراء غطفان، وكان جيد الشعر قليله، وكانت شعراء غطفان تغير على شعره، فتأخذه وتدعيه".

ويروى أن أبا عمرو بن العلاء، ذكر أن ذا الإصبع العدواني قال يرثي قومه٣:

وليس المرء في شيء ... من الإبرام والنقض

إذا يفعل شيئا خا ... له يقضى وما يقضي

جديد العيش ملبوس ... وقد يوشك أن ينضي

ثم نص على أنه لا يصح من أبيات ذي الإصبع الضادية هذه إلا الأبيات التي أنشدها، وأن سائرها منحول.

وكان محمد بن سلام المتوفى سنة ٢٣١هـ أول من درس قضية الانتحال وآثارها في كتابه "طبقات فحول الشعراء" إذ أورد فيه كثيرًا من الملاحظات والآراء التي تدل على دراسة


١ طبقات ابن سلام ص١٤٧-١٤٨.
٢ الأغاني جـ٣ ص١٠٦.

<<  <   >  >>