للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

غير حاجة إلى ما يلم شتات المذهب إلا في القليل النادر وهو ما ذهب عليه علامة المذهب أبو محمد عبد الله بن أبي زيد النفزي القيرواني فإنه كان يذهب إلى إنكار كرامات الأولياء ولكنه كان لا ينكر سائرها، وإنما ينكر بعضها كما اعتذر عنه القاضي أبو بكر الباقلاني (١٣٨).

ويدل على أن ابن أبي يزيد لم يذهب إلى إنكارها بتاتاً وإنما أنكر تلك الكرامات التي لم تثبت صحتها، والتي هي من قبيل المخارق التي يدعيها الكذّابون. أما استجابة الدعاء فذلك مما لا ينكره. ولهذا ألّف كتاباً في كرامات الأولياء كما قال الدباغ في المعالم (١٣٩).

فالطريقة المازرية هي طريقة الفقهاء الذين يقفون عند الحدود الظاهرة من الشريعة، ولا يذهبون إلى الأذواق التي يراها المتصوفة وهم فيها بين متغال ومعتدل ومن الصنف الأخير الغزالي.

والتحقيق أن لكلّ وجهة، ونظرة تختلف عن نظرة الآخر وإذا أردنا أن نحكم لهؤلاء أو هؤلاء نذهب إلى أن التصوف كالملح في الطعام فإن الإِكثار منه يملح الطعام وانعدامه يجعله كَفْنًا (١٠٤) لا يستسيغه الحلق. فلذلك كان التَّصوف الإِكثار منه يفسد الشريعة وربما يُخرج إلى الحلول، والإِقلال منه يقصي القلب ويجعله ربما ينسي الآخرة إذا قامت المغريات وهاجت الفتن.


(١٣٨) معالم الإِيمان (ج ٣ ص١٤٠).
(١٣٩) (ج ٣ ص ١٤٠).
(١٤٠) طعام كفن لا ملح فيه وهو ما يعبر عنه بالدارجة بالمسوس.

<<  <  ج: ص:  >  >>