للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وفي هذا تحقيق لتوحيد الألوهية، الذي هو ركن من أركان التوحيد، وشرط من شروط الإيمان.

{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات ٥٦].

فقد كان أهل الجاهلية، يستقسمون (أي يستخيرون) بالأزلام، فيقعون في الابتداع والشرك فكان هذا الدعاء رداً على المشركين، وتعويضاً للمؤمنين عن أفعال المشركين، بدعاء كله توحيد وعبودية وطلب ممن بيده المطلوب، وافتقار لمغنٍ رحيم .. وسؤال لمعطٍ كريم، بيده خزائن السماوات والأرض، فشتان بين استخارة المشركين بأعواد أو لأحجار، وبين استخارة القدير العليم المنان، فسبحان من أبدل بالشرك توحيداً، وبالابتداع اتباعاً، وبالعصيان طاعة، وبالتردد والقلق .. اطمئناناً وسكينة، ولا ينال هذا إلا المتبعون الصادقون.

الفائدة الثانية: تحقيق معنى الإيمان، بأن الله بيده مقاليد الأمور، ويعلم غيب السموات والأرض، ويحب لعبده الخير، ويختار له ما ينفعه، وفي هذا تحقيق لتوحيد الربوبية، والأسماء والصفات.

قال تعالى:

{وربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصص ٦٨].

وقال تعالى:

{وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام ٥٩].

قال ابن القيم رحمه الله: ((فتضمن هذا الدعاء، الإقرار بوجوده سبحانه، والإقرار بربوبيته، وتفويض الأمر إليه والاستعانة به، والتوكل عليه، والخروج من عهدة نفسه، والتبري من الحول والقوة إلا به، واعتراف العبد بعجزه عن علمه بمصلحة نفسه، وقدرته عليها، وإرادته لها، وأن ذلك كله بيد وليه وفاطره، وإلهه الحق)) (١).

الفائدة الثالثة: الثقة بالله، والرضى بقضائه بعد الاستخارة وقبلها، والتوكل عليه، وتفويض الأمر إليه، بدل الحيرة والتردد، والقلق الذي يضعف النفس، وينهك البدن، ويولد الهموم،


(١) زاد المعاد (٢/ ٤٤٢).

<<  <   >  >>