للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[وأما زمن قبول التوبة: فهو زمنان: زمن خاص وزمن عام ..

أما الزمن الخاص: فقبل أن تبلغ الروح الحلقوم، قال تعالى {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} [المؤمنون ٩٩، ١٠٠]

وقال تعالى {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين. آلآن وقد عصيت وكنت من المفسدين. فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون} [يونس ٩٠ - ٩٢]

وقال - صلى الله عليه وسلم - (إن الله تعالى يقبل توبة العبد مالم يغرغر) رواه أحمد ٣/ ٤٢٥ والترمذي (٣٥٣٧) وابن ماجه (٤٢٥٣) عن ابن عمر وحسنه شيخنا الألباني في صحيح الجامع.

وأما الزمن العام: فقبل أن تطلع الشمس من مغربها، قال تعالى {يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً} [الأنعام ١٥٨]

وقا ل - صلى الله عليه وسلم - (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين {لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً}) رواه البخاري (٦٥٠٦) ومسلم (١٥٧) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[المعينات على التوبة]

لابد للراغب في التوبة من معينات تقلعه من ذنبه، وتدفعه للتوبة إلى ربه، حتى لا يستوحش الطريق بعد ترك الذنب، ولا ينتابه الحنين بالعود:

[المعين الأول]

مصاحبة خشية الله، واللجوء إليه، واستشعار محبته، فإن ذلك يدفع إلى الطاعات، وينفر من المعصية.

[المعين الثاني]

الأنس بالله، واطمئنان القلب بذلك، ويتحقق ذلك بالإكثار من ذكره، باللسان المتواطئ مع القلب.

{الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمأن القلوب} [الرعد ٢٨]

المعين الثالث: العلم.

إن زيادة العلم بالله وكتابه وسنة رسوله وسيرة الأنبياء، ومسلك الصالحين، يزيد الإيمان، ويطرد الشيطان، ويعين على الإنابة إلى الرحمن، وكلما ازداد المرء علما ازداد خشية، قال تعالى {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر ٢٨]

المعين الرابع: استحضار عذاب الله ونعيمه.

إن من استحضر عذاب الله وانتقامه ممن خالفه، واحتسب الأجر عنده لمن تاب إليه وأطاعه، ارتقى في سلم الطاعات، وتنزه عن دركات القاذورات.

{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} [المائدة ٩٨] وقال سبحانه {إن أخذه أليم شديد} [هود ١٠٢] وقال سبحانه {غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول} [غافر ٣]

ومن لم يتعظ بهذه الآية، فبأي آية بعدها يتعظ؟ ! فقد استفتحها الله بالغفران، وثناها بالقبول، وثلثها بأنه شديد العقاب ..

{والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد} [الزمر ١٧]

المعين الخامس: الإكثار من الطاعات والأعمال الصالحة.

إن من أخطر ما يوسوس به الشيطان للمذنب: كيف تعبد الله وأنت عاص ... ؟ ! فدع الطاعة كي لا تكون منافقا، ويريد الشيطان بذلك أن يترك المذنب العبادة، ويستمر في ذنبه، لكي يقسو حينئذ قلبه، وقد لا يرجى بعد ذلك توبة.

وأما إذا استمر على الطاعات، وأقبل على الأعمال الصالحات، فيرجى له الخير ولو كان مذنباً، فكم من عمل خير كفَّر ذنباً، وكم من عبادة طهرت قلباً، وكم من آية أو حديث أحدث توبة ..

قال تعالى {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود ١١٤]

وقال سبحانه {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت ٦٩]

وقال - صلى الله عليه وسلم - ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) (١)

فحذار ثم حذار؛ أن تترك الطاعة، لأن عندك ذنبا.

المعين السادس: الصحبة الصالحة

من أعظم المعينات على الهداية، والثبات على الحق الصالحون.

وقد مضى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - {الجليس الصالح .. }

وقوله - صلى الله عليه وسلم - ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) (٢)

وقد قال بعض العلماء: لقد أصاب كلب أصحاب الكهف خيراً، لصحبته الصالحين. (٣)

المعين السابع: استحضار عواقب الذنوب في الدنيا والآخرة، وثمار التوبة والإنابة.

قال تعالى {من يعمل سوءاً يجز به .. } [النساء ١٢٣]

فلما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على المسلمين، حتى قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: كيف الصلاح بعد هذه الآية .. فكل سوء عملناه جزينا به))؟ ؟ !

وفي رواية قال: ((ما أشد هذه الآية! ))

وكان جواب النبي - صلى الله عليه وسلم - ((المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا جزاء)) (٤)

فمن الناس من يكفر ذنبه في الدنيا بالابتلاء والمصائب، ومنهم من تؤخر عقوبته إلى الآخرة، ومنهم من يعذب في الدنيا والآخرة.

قال تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} [الزلزلة ٧]] [*]

ثلاث لا بد منها للتائب

وثلاث يحذر منها الآيب

أما الثلاث الأولى التي ينبغي على التائب فعلها والمسارعة إليها كيما يقبل الله توبته، ويغفر زلته فهي:

ـ صلاة التوبة.

ـ الإكثار من الاستغفار.

ـ الإسراع في الطاعات، والإكثار من الصالحات.

أما صلاة التوبة .. فهي عربون توبتك، ومفتاح خيرك، ومغلاق ذنبك، وكفارة خطيئتك.

أما الإكثار من الاستغفار، فقال تعالى:

{فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا} [نوح ١٠].

وقال سبحانه:

{ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا} [النساء ١١٠].

وقال - صلى الله عليه وسلم -:

((من أحب أن تسره صحيفته، فليكثر فيها من الاستغفار)) (٥).

ورأى ابن عمر بن عبد العزيز أباه عمر في المنام بعد موته، فقال: أي أعمالك خير؟ قال: ما رأيت خيرًا من الاستغفار.

أما فعل الصالحات .. فلقوله تعالى:

{وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى} [طه ٨٢].

[وقال سبحانه { .. ومن يفعل ذلك يلق أثاماً. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً. إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً} [الفرقان ٧٠]] [**]

فقد علق الله تعالى الغفران بالتوبة والإيمان والعمل الصالح.


(١) رواه أحمد (٢١٣٩٢) والترمذي (١٩٨٧) وغيرهما عن أبي ذر رضي الله عنه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) رواه أحمد (٨٠١٥) والحاكم ٤/ ١٧١ وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) انظر تفسير ابن كثير - سورة الكهف - آية ١٨.
(٤) أخرجه أحمد ١/ ١١ وأبو داود ٣/ ١٨٤ والحاكم ٣/ ٧٤ والبيهقي ٣/ ٣٧٣ وغيرهم، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر تفسير ابن كثير عند هذه الآية.
(٥) رواه الضياء المقدسي في المختارة ٣/ ٨٤ والطبراني في الأوسط (٨٣٩) وغيرهما من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه وانظر الصحيحة (٢٢٩٩)

[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذا -بطوله- من زيادات النسخة الإلكترونية، وليس في المطبوع
[**] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذا من زيادات النسخة الإلكترونية، وليس في المطبوع

<<  <   >  >>