للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[ذكر حمائم الرسائل:]

قال ابن كثير في تاريخه: في سنة سبع وستين وخمسمائة اتخذ السلطان نور الدين الشهيد الحمام الهوادي، وذلك لامتداد مملكته، واتساعها، فإنها من حد النوبة إلى همذان (١) ، فلذلك اتخذ قلعة، وحبس الحمام التي تسري الآفاق في أسرع مدة، وأيسر عدة، وما أحسن ما قال فيهن القاضي الفاضل: الحمام ملائكة الملوك، وقد أطنب في ذلك العماد الكاتب وأظرف وأطرب، وأعجب وأغرب (٢) .

وفي سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، اعتنى الخليفة الناصر لدين الله بحمام البطاقة اعتناء زائدا، حتى صار يكتب بأنساب الطير المحاضر إنه من ولد الطير الفلاني. وقيل: إنه بيع بألف دينار.

وقد ألف القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في أمور هذه الحمام كتابا سماه "تمام الحمائم" (٣) ، وذكر فيه فصلا فيما ينبغي أن يفعله المنطق، وما جرت العادة به في ذلك فقال:

كان الجاري به العادة أنها لا تحمل البطاقة إلا في جناحها، لأمور منها، حفظها من المطر ولقوة الجناح؛ والواجب أنه إذا انطلق من مصر لا يطلق إلا من أمكنة معلومة، فإذا سرحت إلى الإسكندرية، فلا تسرح إلا من منية عقبة بالجيزة، وإلى الشرقية، فمن مسجد التين ظاهر القاهرة، وإلى دمياط فمن بيسوس بشط بحر منجي. والذي استقرت قواعد الملك عليه، أن طائر البطاقة لا يلهو الملك عنه ولا يغفل، ولا يمهل لحظة واحدة، فتفوت مهمات لا تستدرك، إما من واصل وإما من هارب، وإما من متجدد في الثغور.


(١) بعدها في ابن كثير: "لا يتخللها إلا بلاد الإفرنج، وكلهم تحت قهره وهدنته".
(٢) تاريخ ابن كثير ١٢: ٢٦٩.
(٣) قال في كشف الظنون: "صنفه حين حافظ عليها الفاطميون بمصر، وبالغوا فيها حتى أفردوا لها ديوانا، وجرائد بأنساب الحمائم".