للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المثال الثاني: جعل الدية على أهل الديوان (١) ­:

قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن الدية على العاقلة، وهم عشيرة القاتل، وعلى ذلك جرى الأمر في عهد أبي بكر -رضي الله عنه-، حتى إذا جاء عهد عمر -رضي الله عنه-، ودون الدواوين، جعل الدية على أهل الديوان، قال الحافظ ابن عبد البر رحمه اللَّه: «أجمع أهل السير والعلم بالخبر أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرها رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك حتى جعل عمر الديوان» (٢)، وهذا الفعل من عمر -رضي الله عنه- لم يكن نسخًا للحكم «بل هو تقرير معنى، لأن العقل كان على أهل النصرة، وقد كانت بأنواع: بالقرابة والحلف والولاء والعهد. وفي عهد عمر -رضي الله عنه- قد صارت بالديوان فجعلها على أهله اتباعًا للمعنى ولهذا قالوا: لوكان اليوم قوم تناصرهم بالحرف فعاقلتهم أهل الحرفة» (٣).

إذن فاجتهاد عمر -رضي الله عنه- في هذه الواقعة، كهو في «المؤلفة قلوبهم»، تعليلٌ للنص القاضي بإيجاب الدية على العاقلة بأن وجوبها عليهم كان لأجل معنى التناصر فيما بينهم.

ومن ثم تخصيص للعموم التطبيقي لهذا النص القاضي باستغراق حكم وجوب الدية على العاقلة كافة الأزمنة والأمكنة والأحوال بذلك التعليل.


(١) الديوان: الجريدة: من دوّن الكتب إذا جمعها لأنها قطع من القراطيس مجموعة ويروى أن عمر -رضي الله عنه- أول من دوّن الدواوين: أي رتب الجرائد للولاة والقضاة، ويقال: فلان من أهل الديوان: أي ممن أُثبت اسمه في الجريدة لاستحقاقه العطاء. انظر: البابرتي: أكمل الدين محمد بن محمود الحنفي، شرح العناية على الهداية، المطبوع بذيل شرح فتح القدير، دار الفكر، بيروت، ج ١٠، ص ٣٩٥.
(٢) ابن عبد البر النمري، الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار، ط ١، دار الوغى، حلب والقاهرة، ١٤١٤ هـ، ج ٢٥، ص ٢٢١، وسيشار له: ابن عبد البر: الاستذكار.
(٣) المرغيناني: برهان الدين علي بن أبي بكر الحنفي، الهداية شرح البداية، وبذيله شرح فتح القدير، دار الفكر، بيروت، ج ١٠، ص ٣٩٥ وسيشار له: المرغيناني، الهداية. أفاده شلبي، تعليل الأحكام، ص ٤٢.

<<  <   >  >>