للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

المقدِّمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وآله، ومن والاه، وبعد:

فإنّ التشريع السماوي، بما دلّ عليه من أحكام، لم يكن - بفضل اللَّه ورحمته - إلا هادفًا إلى إصلاح أمور الخلق في داريهم الأولى والآخرة، مصداقًا لقوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: ٢٥]، ولقوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: ٨٢]- لاتّباعهم إياه - {وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: ٨٢]- لإعراضهم عنه -، ولقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: ٩٠].

قال العز بن عبد السلام، رحمه اللَّه: «اعلم أنّ اللَّه سبحانه وتعالى لم يشرع حكمًا من أحكامه إلا لمصلحة عاجلة أو آجلة، أو عاجلة وآجلة، تفضُّلًا منه على عباده، إذ لا حقَّ لأحد منهم عليه، ولو شرع الأحكام كلّها خليّةً عن المصالح لكان قسطًا وعدلًا كما كان شرعها للمصالح إحسانًا منه وفضلًا.

وقد وصف نفسه بأنه لطيفٌ بعباده، وأنه بالناس رؤوفٌ رحيم، وتمنَّنَ عليهم باللطف والحكمة، كما تمنَّن عليهم بالرأفة والرحمة، وأخبر أنه يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر، وأنّه بهم بَرُّ رحيم توّابٌ حكيم. وليس من آثار اللطف والرحمة واليسر والحكمة أن يكلِّف عباده المشاق بغير فائدة عاجلة ولا آجلة» (١).


(١) العز بن عبد السلام، شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال، تحقيق إياد خالد الطباع، ط ١، دار الطباع، دمشق، ١٤١٠ هـ، ص ٤٠١.

<<  <   >  >>