للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وَيُنْظَرُ فِيهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ واحدة ضرورية (والأخرى) (١) مكتسبة فلا بد لِلْمُكْتَسَبَةِ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ، فَإِنِ انْتَهَيْنَا إِلَى ضَرُورِيَّتَيْنِ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ أَوِ الدَّوْرُ (٢)، وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ، فَإِذًا لَا يُمْكِنُ أَنْ نَعْرِفَ غير الضروري إلا (بواسطة) (٣) الضروري.

وحاصل (الأمر أنه) (٤) لا بد من (معرفتنا) (٥) بِمُقَدِّمَتَيْنِ حَصَلَتْ لَنَا كُلُّ وَاحِدَةٍ/ مِنْهُمَا مِمَّا عقلناه وعلمناه من مشاهدة بَاطِنَةٍ، كَالْأَلَمِ وَاللَّذَّةِ أَوْ بِدِيهِيٍّ لِلْعَقْلِ كَعِلْمِنَا بِوُجُودِنَا/ وَبِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنَ الْوَاحِدِ، وَبِأَنَّ الضِّدَّيْنِ/ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ لَنَا مُعْتَادٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَإِنَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَنَا عِلْمٌ إِلَّا بِمَا هو معتاد في هذه الدَّارِ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ فَقَبْلَ النُّبُوَّاتِ/ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَنَا بِهِ مَعْرِفَةٌ، فَلَوْ بَقِينَا (وذاك) (٦) لم (نحمل) (٧) مَا لَمْ نَعْرِفْ إِلَّا عَلَى مَا عَرَفْنَا، ولأنكرنا (دعوى) (٨) مَنِ ادَّعَى جَوَازَ قَلْبِ الشَّجَرِ حَيَوَانًا وَالْحَيَوَانِ حجراً، (وأشباه) (٩) ذَلِكَ، لِأَنَّ الَّذِي نَعْرِفُهُ مِنَ الْمُعْتَادَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ خِلَافُ هَذِهِ الدَّعْوَى.

فَلِمَا جَاءَتِ النُّبُوَّاتُ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ أَنْكَرَهَا مَنْ أصرَّ عَلَى الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ وَاعْتَقَدَهَا سِحْرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، كَقَلْبِ الْعَصَا ثُعْبَانًا، وَفَرْقِ الْبَحْرِ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ الْيَدِ، وَتَكْلِيمِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، إِلَى غَيْرِ ذلك مما (تبين) (١٠) به أن


(١) في (ط): وأخرى.
(٢) التسلسل: هو ترتب أمور على أمور غير متناهية: وأما الدور: فهو توقف الشيء على ما يتوقف عليه. انظر: التعريفات للجرجاني (ص٥٧ و١٠٥)، والفتاوى (٨ ٣٨٠ و١٥٣).
(٣) ما بين القوسين زيادة من (م) و (غ) و (ر).
(٤) في (م) و (خ): الأمرين. وفي (غ) و (ر): "الأمر أن".
(٥) في (ت) بياض بمقدار نصف سطر. وفي (ط) و (خ) و (م): "معرفتهما".
(٦) في (ط) و (خ) و (ت): "وذلك".
(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "نحل".
(٨) ما بين القوسين زيادة من (م) و (غ) و (ر).
(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "وما أشبه".
(١٠) في (م): "بين".