للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وَقَدْ يَظْهَرُ بأَول وَهْلَةٍ (١) أَن هَذَا الْوَجْهَ الثَّانِيَ أَرجح؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الأُصول الْعِلْمِيَّةِ: أَنَّ كُلَّ مَزِيَّةٍ (٢) أَعطيَها النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم فإِن لأُمته أنموذجاً منها، مالم يدلَّ دليل على الاختصاص؛ كما ثبت أَن كل ما عمل به عليه السلام فإِن اقتداء الأمة به مشروع، مالم يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ (٣).

إِلا أَن الْوَجْهَ الأَول أَيضاً رَاجِحٌ (٤) مِنْ جِهَةٍ أُخرى، وَهُوَ إِطباقهم عَلَى التَّرْك (٥)؛ إِذ لَوْ كَانَ اعْتِقَادُهُمُ التَّشْرِيعَ لَعَمِلَ به بَعْضُهُمْ بَعْدَهُ، أَو عَمِلُوا بِهِ وَلَوْ فِي بَعْضِ الأَحوال، إِما وُقُوفًا مَعَ أَصل الْمَشْرُوعِيَّةِ، وإِما بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِ انتفاءِ العِلَّة الْمُوجِبَةِ لِلِامْتِنَاعِ.

وَقَدْ خَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ فِي "جَامِعِهِ" (٦) من حديث يونس بن يزيد، عن


(١) في (ر) و (غ): "النظر" بدل: "وهلة".
(٢) في (خ): يشبه أن تكون: "قربة"، وفي (غ) و (ر): "أن كل ما مزية".
(٣) من قوله: "كما ثبت" إلى هنا سقط من (خ) و (م) و (ت).
(٤) في (ت): "راجح أيضاً".
(٥) في (خ) و (م): "التبرك".
(٦) لم أجده في المطبوع من "جامع ابن وهب".
وقد أخرجه عبد الرزاق في "جامع معمر" الملحق بـ"المصنف" (١٩٧٤٨)، عن معمر، عن الزهري؛ قال: حدثني من لا أتهم من الأنصار ... ، فذكره بنحوه. وأخرجه ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (٢٧٣) من طريق الأوزاعي، عن الزهري مرسلاً دون ذكر القصة. وذكر الشيخ ناصر الدين الألباني هذا الحديث في "الصحيحة" (٢٩٩٨)، وقال عقب ذكره لهذا الطريق: "وهذا الإسناد رجاله ثقات، غير الرجل الأنصاري. فإن كان تابعيّاً فهو مرسل، ولا بأس به في الشواهد، وإن كان صحابياً فهو سند صحيح؛ لأن جهالة اسم الصحابي لا تضر كما هو مقرر في علم الحديث. ويغلب على الظن أنه أنس بن مالك رضي الله عنه الذي في الطريق الأولى؛ فإنه أنصاري، ويروي عنه الإمام الزهري كثيراً" اهـ.
ويعني الشيخ بالطريق الأولى: ما نقله عن الخلعي في "الفوائد" (١٨/ ٧٣/١) من أنه روى هذا الحديث من طريق عمرو بن بكر السكسكي، عن ابن جابر، عن أنس ... ، فذكره.
ثم قال الشيخ: "وهذا سند ضعيف جداً، عمرو بن بكر السكسكي متروك كما في "التقريب"، لكن الحديث قد روي جلّه من وجوه أخرى يدل مجموعها على أن له أصلاً ثابتاً"، ثم ذكر هذا الطريق والطريق الآتي.=