للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فمثال إنكاره التفسير بالرأي قوله عند تفسير قوله تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف: ٤٩]. بعد ذكر أقوال السلف فيها، مع توجيهه للأقوال، وتعرضه للقراءات، فيقول ما نصه: « ... وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله: «وفيه يعصرون» إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من العصر، والعصرة التي بمعنى المنجاة، من قول أبي زبيد الطائي:

صاديا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود

أي: المقهور، ومن قول لبيد:

فبات وأسرى القوم آخر ليلهم ... وما كان وقّافا بغير معصّر

وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين» (١).

أما اعتناؤه بالأسانيد فيظهر ذلك واضحا في تفسيره، لأنه يذكر الروايات بأسانيدها، إلا أنه في الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف، ومع ذلك فابن جرير يقف من السند أحيانا موقف الناقد البصير، فيوثق الرواة ويجرحهم، ويرد الروايات التي لا يثق بصحتها، ومثال ذلك تفسيره لقوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [الكهف: ٩٤] فيقول ما نصه: «روي عن عكرمة في ذلك- يعني في ضم سين (سدّا) وفتحها- ما حدثنا به أحمد بن يوسف، قال: حدثنا القاسم، قال حدثنا: حجاج، عن هارون، عن أيوب، عن عكرمة، قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو السّد يعني بفتح السين، وما كان من صنع الله فهو السّد، ثم يعقب على هذا السند فيقول: «وأما ما ذكر عن عكرمة في ذلك فإن الذي نقل ذلك عن أيوب هارون وفي نقله نظر، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقات أصحابه» (٢) اهـ.

ومثال تقديره للإجماع تفسيره لقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] فيقول ما نصه: «فإن قال قائل: فأي النكاحين عنى الله بقوله:


(١) جامع البيان ج ١٢ ص ١٣٨.
(٢) جامع البيان ج ١٦ ص ١٣.

<<  <   >  >>