للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

[٥٨ ب/ص]

وأصل الصدم ضرب الشيء الصلب على مثله، ثم استعير لكل أمر مكروه، ومصيبة واردة على القلب، فكأنه - صلى الله عليه وسلم -، قال: / دعي الاعتذار، فإنّ من شيمتي أن لا أغضب إلا لله، وأنظري إلى تفويتك من نفسك الجزيل الثواب بالجزع وعدم الصبر عند أول فجاءة المصيبة، فأغتفر لها - صلى الله عليه وسلم -، تلك الردة؛ لصدورها عنها في حال مصيبتها وعدم معرفتها به، وبين لها أنّ الصبر الذي يكون صبرًا على الحقيقة ويترتب عليه الثواب، هو الصبر الذي يكون عند الصدمة الأولى، وأما بعد ذلك فربما لا يكون صبرًا بل يكون سلوة، كما يقع لكثير من أهل المصائب، بخلاف أول وقوع المصيبة، فإنّه يصدم القلب بغتة فلا يكون السكون عند ذلك، والرضى بالمقدور صبرًا على الحقيقة (١).

وقال الخطابي: المعني: أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه على طول الأيام يسلو (٢)، وقيل: إنّ المراد لا يؤجر على المصيبة؛ لأنّها ليست من صنعه (٣)، وإنّما يؤجر على حسن نيته وجميل صبره.

وقال ابن بطال: أراد أن لا يجتمع عليها مصيبة الهلاك وفقد الأجر (٤).

وقد أخرج هذا الحديث المصنف في الأحكام أيضًا، وأخرجه مسلم في الجنائز، وكذا أبو داود والترمذي (٥).

ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنّه - صلى الله عليه وسلم -، لم ينه المرأة المذكورة عن زيارتها قبر ميتها، وإنما أمرها بالصبر والتقوى، لما رأى من جزعها، ولم ينكر عليها الخروج من بيتها، وهو أعم من أن يكون خروجها لتشييع ميتها فتأخرت بعد الدفن، فقامت عند القبر أو أنشأت قصد زيارته بالخروج، فدل


(١) عمدة القاري (٨/ ٦٨).
(٢) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (١/ ٣٣٣).
(٣) [صنعته] في ب.
(٤) شرح صحيح البخارى لابن بطال (٣/ ٢٤٩).
(٥) صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب ما ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له بواب (٩/ ٦٥)، (٧١٥٤). * صحيح مسلم كتاب الجنائز، باب في الصبر على المصيبة عند أول الصدمة (٣/ ٦٣٧)، (٩٢٦). * سنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب الصبر عند الصدمة (٣/ ١٩٢)، (٣١٢٤). *سنن الترمذي، أبواب الجنائز، باب ما جاء أن الصبر في الصدمة الأولى (٣/ ٣٠٥)، (٩٨٨).