للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


والحكمة في وجوب حد القذف دون التساب بالكفر، لأن المسبوب بالكفر قادر على أن ينفي عنه ذلك بالنطق بالشهادتين، بخلاف المتهم بالزنان فإنه لا يقدر على نفي التهمة عنه، والرمي، وهو الإلقاء بحجر أو سهم، أو نحوهما مما يؤذي ويضر، استعير للسب، وتوجيه العيوب لما في كل من الأذى والإضرار بالناس، فخرج اللسان مخرج اليد بالسنان، بل:
جراحات السهام لها التئام * ولا يلتام ما جرح اللسان
وقد اختار الله تعالى التعبير بالرمي فذكرها ثلاث مرات في ثلاث آيات خاصة بحد القذف، فقال تعالى: {والذين يرمون المحصنات} وقال تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} وقال تعالى: روالذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} وهو من بلاغة القرآن الكريم، فإن الكلمة متى أفلتت من لسان قائلها لم يتمالك زمامها، وانطلقت لا تلوي على شيء حتى تصيب من وجهت إليه بالضرر والأذى، فهي كالسهم يرمى به فلا تعود اليد قادرة على رده، فليحتفظ من يهم بالرمي والأمر في يده، حتى لا يندم حيث لا ينفع الندم.
مبحث حكمة التشريع
إن الله عز وجل لما بين في أول سورة {النور} ما في جريمة الزنا من عظيم الفحشن وكبير الشناعة مما لم يجتمع في جريمة أخرى، من كبير الإجرام، وتشتنيع الفعل، وأمر هذا شأنه يلحق العرض، من الرمي به ما ينكس الرأس، ويهدم الشرف، وكان من مقاصد الشرع الكريم، حفظ الأعراض، وصون الشرف لصاحبه، والاحتفاظ بالكرامة وعزة النفس، كان من متقضى حكمته جل شأنه هذا التشريع الزاجر للنفوس الجامحة، التي قد يدفها الغضب والحقد إلى أن تصيب الناس في كرامتهم، وتخدش شرفهم، وهو أعز عزيز لديهم، مستهينة بما اقترفت كما قال تعالى: {إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم} آية النور: ١٥.
ففرض الله لنا فيما فرض من أحكام (حد القذف) الزاجر الرادع، الكفيل بصيانة الأعراض، وحفظ الكرامة والشرف، حتى تنزجر النفوس عن الإقدام على هذا الجرم الفظيع، وليتأدب عامة المؤمنين بطلب ظن الخير بالآخرين، وعدم المسارعة إلى سوء الظن بالناس، والدعوة إلى تطهير اللسان، وصون الآداب والتحرز عن الخوض في كبريات التهم بلا علم، وتقرير بينات التهمة بحسب فظاعتها حتى لا يتخذ الناس الكيد بالاتهام الكاذب ذريعة للخدش والنكاية بلا حق. وإنك لا تجد من أنواع الجرم، ما يقدم عليه صاحبه غافلاً عن عظيم خطره إلا جرم اللسان، وكأنه سهولة حركته بطبعه. ولذة التحدث بالأمور المستغربة، وحسبان أن الطلام لا ينقص من المتكلم فيه شيئاً محسوساً يذكر، مع اعتياد الناس التساهل في القول والسماع، كل ذلك جعل الناس يستهينون به، ويحسبونه هيناً وهو ذنب عند الله عظيم، لذلك اهتم الشارع بحد القذف أعظم اهتمام، فأنزل في حد السرقة آية واحدة، وفي حد الزنا آيتين، وفي حد قطاع الطريق آية، أما حد القذف فقد أنزل فيه آيتين ثم أتبعه بنوع آخر

<<  <  ج: ص:  >  >>