للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ذلك رحمةً به وشفقة عليه، وإن رأى مصلحته في أن يمسك عنه العطاء لم يُعْطِهِ ولم يوسع عليه، لعلمِهِ أن ذلك أكبر الأسباب إلى فساده وهلاكه، وكذلك يمنعه كثيرًا من شهواته، حمية له، ومصلحة لا بخلاً عليه.

فأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعلم العالمين، الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم، ومن آبائهم وأمهاتهم، إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرًا لهم من أن لا ينزله بهم، نظرًا منه لهم، وإحسانًا إليهم، ولطفًا بهم، ولو مكنوا من الاختيار لأنفسهم لَعَجزوا عن القيام بمصالحهم، علمًا وإرادة وعملاً، لكنه سبحانه تولى تدبير أمورهم، بموجب علمه وحكمته ورحمته، أحبوا أم كرهوا، فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته، فلم يتهموه في شيء من أحكامه، وخفي ذلك على الجهال به وبأسمائه وصفاته، فنازعوه تدبيره، وقدحوا في حكمته، ولم ينقادوا لحكمه، وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسدة، وآرائهم الباطلة، وسياساتهم الجائرة، فلا لربهم عرفوا، ولا لمصالحهم حَصَّلوا، والله الموفق.

ومتى ظفر العبدُ بهذه المعرفة، سكن في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يشبه نعيمها إلا نعيم جنة الآخرة، فإنه لا يزال راضيًا عن ربه، والرضا جنة الدنيا، ومستراح العارفين، فإنه طَيِّبُ النفس بما يجري عليها من المقادير، التي هي عين اختيار الله له، وطمأنينتها إلى أحكامه الدينية، وهذا هو الرضا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولاً - صلى الله عليه وسلم -، وما ذاق طعم الإيمان من لم يحصل له ذلك)).

{وعسىأن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة ٢١٦]

{ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} [الشورى ٢٧].

فقد يستخير المرء لتجارة، ثم يخسر فيها، فيظن أنه لم يوفق،

<<  <   >  >>