للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والتأكيد في تقديم الجار والمجرور في قوله: "وجعلت لي الأرض" والأصل: وجعلت الأرض لي، لإفادة قصر ذلك على النبي وحده، فقد جعلت له الأرص خاصة من بين البشر، وأسلوب القصر يؤكد هذه الخصوصيات، ومنها: إفادة التخصيص بعد التعميم في قوله: "مسجدًا وطهورًا، فالتعبير "بالمسجد" نكرة يفيد شمول الأرض كلها بلا قيد ولا شرط، وهذا هو العموم، والتعبير "بالطهور" يفيد التقييد والتخصيص، فليس كل تراب الأرص صالحًا للتيمم، بل التراب الطاهر، وليس كل موقع في الأرض صالحًا للصلاة، بل الأرض الطاهرة التي يغلب على الظن بأنها طاهرة، إذن فالتخصيص هنا يقتضي تحقيق شروط وأركان الطهارة وصحة الصلاة.

التصوير الأدبي في بلاغة الأسلوب النبوي الشريف في قوله: "فأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" يعود إلى صور فنية بليغة منها: أسلوب الشرط والجزاء البليغ، الذي يقوم على التناسق الموسيقي المتوازن بين جملة الشرط، وهي: "أدركته الصلاة"، وبين جملة الجواب والجزاء في "فليصل"، وهذا النسق الموسيقي يشد الانتباه، ويثير المشاعر والوجدان؛ بالإضافة إلى ما يفيد من ترتب الجزاء على فعل الشرط، فيستحق المصلي الطائع سقوط الفريضة ومضاعفة الأجر عليها، وعبر بالرجل دون المرأة، لأنه مسئول عنها وقيّم عليها، يعلمها ما تعلم؛ فالزوج راع وهو مسئول عن رعيته، وكذلك بلاغة التعبير بإضافة الأمة إليه -صلى الله عليه وسلم- تشريفًا وتعظيمًا لها "أمتي" فهي خير أمة أخرجت للناس، والإضافة أيضًا تقتضي طاعة الله ورسوله فيما أمر ونهى، حتى ينالوا هذا الشرف العظيم، وبلاغة الأسلوب في قوله: "أدركته الصلاة" في نسبة الإدراك إلى الصلاة، ولم يقل: "أدرك المسلم الصلاة" لإفادة أن الصلاة وسائر التشريعات هي تلاحق المسلم الغفلان عن سعادته بين حين وآخر، وتسارع

<<  <   >  >>