للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأصحابُ الحديث يَجمعون حديثَ خلقٍ كثير، غير الذين ذكرهم " الدارِميُّ " منهم: " أيوبُ السختياني، والزهري، والأوزاعي ". ويجمعون أيضًا التراجم، وهي أسانيد يخصون ما جاء بها بالجمع والتأليف، مثل: ترجمة مالك عن نافع عن ابنِ عمر، وترجمة سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وترجمة هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، في أشباهٍ لذلك كثيرةٍ. ويجمعون أيضًا أبوابًا من أبواب الكتب المصنفة الجامعةِ للأحكام، فيفردونها بالتأليف فتصير كتبًا مفردة، نحو: باب رؤية الله - عز وجل -، وباب رفع اليدين، وباب القراءة خلف الإمام، وغير ذلك. ويفردون أحاديثَ، فيجمعون طُرقَها في كتب مفرَدة، نحو: طرق حديثِ قبض العلم، وحديثِ الغُسل يومَ الجمعة، وغير ذلك.

وكثيرٌ من أنواع كتابِنا هذا، قد أفردوا أحاديثَه بالجمع والتصنيف.

وعليه في كلِّ ذلك، تصحيحُ القَصْدِ والحذرُ من قصدِ المكاثرة ونحوه. بلغنا عن " حمزةَ بنِ محمد الكِنانيِّ " أنه خرَّج حديثًا واحدًا من نحو مائتي طريق، فأعجبه ذلك، فرأى " يحيى بنَ معين " في منامِه فذكر له ذلك [٧٥ / ظ] فقال له: أخشى أن يدخل هذا تحت " أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ " (١).

ثم ليحذرْ أن يُخرِجَ إلى الناس ما يصنفه، إلا بعد تهذيبه وتحريره وإعادة النظر فيه وتكريرِه، وليتَّقِ أن يجمع ما لم يتأهلْ بعدُ لاجتناءِ ثمرته واقتناص فائدةِ جمعهِ، كيلا يكونَ حُكْمهُ ما رويناه عن " علي ابن المديني " قال: " إذا رأيتَ الحَدَثَ (٢) أول ما يكتب الحديثَ يجمع حديثَ الغُسْل ِ وحديثَ: مَنْ كَذب؛ فاكتبْ على قَفَاه: لا يُفلِح ".


(١) أسنده ابن عبدالبر عن حمزة، في باب ذم الإكثار من الحديث دون التفهم له والتفقه فيه (الجامع ٢/ ١٣٢) ونقله الذهبي عن ابن عبدالبر بمثل إسناده في الجامع، في ترجمة حمزة بن محمد بن علي الكناني (تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٣٣).
(٢) في (ص): [الحديث] ولا يصح به السياق، ويعني بحديث: من كذب، الحديث المتواتر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار ".

<<  <   >  >>