للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فَوَجْهُ الْكَرَاهِيَةِ عِنْدَهُ كَوْنُهَا عُدَّت مِنَ الْمُحْدَثَاتِ؛ إِذ في الأَثر (١): "أَول مَا أُحدث بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَنَاخِلُ" (٢)، أَو كَمَا قَالَ، فَأَخَذَ (٣) بِظَاهِرِ اللَّفْظِ مَنْ أَخذ بِهِ، كَمُحَمَّدِ بن أَسلم. وظاهرٌ (٤) أَن ذَلِكَ مِنْ نَاحِيَةِ السَّرَف والتَّنَعُّم الَّذِي أَشار إِلى كَرَاهِيَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} (٥) الْآيَةَ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنه بِدْعَةٌ.

وَقَوْلُهُمْ: كَمَا يُتَصَوَّر ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ يُتَصَوَّر فِي الْعَادَاتِ: مُسَلَّم، وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِي الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ، وإِنما كلامنا (٦) فِي الْوُقُوعِ، وَفِيهِ النِّزَاعُ.

وأَما مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الأَحاديث: فَلَيْسَ فِيهَا عَلَى المسأَلة دَلِيلٌ وَاحِدٌ، إِذ لَمْ يُنَصَّ عَلَى أَنها بِدَعٌ أَو مُحْدَثَاتٌ، أَو مَا يُشِيرُ إِلى ذَلِكَ الْمَعْنَى. وأَيضاً إِن عدُّوا كُلَّ مُحْدَثِ من (٧) الْعَادَاتِ بِدَعَةً، فَلْيَعُدّوا جَمِيعَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْكَلَامِ وَالْمَسَائِلِ النَّازِلَةِ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا (٨) فِي الزَّمَانِ الأَول بِدَعاً، وَهَذَا شَنِيعٌ، فإِن مِنَ الْعَوَائِدِ (٩) ما يختلف (١٠) بحسب الأَزمان والأَمكنة والاسم، أفيكون (١١) كُلُّ مَنْ خَالَفَ الْعَرَبَ الَّذِينَ أَدركوا الصَّحَابَةَ رضي الله تعالى عنهم واعتادوا مثل عوائدهم


(١) في (خ) و (م): "الأمر"، وفي موضعه بياض في (ت)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا في الأصل. اهـ. ويعني بالأصل: (خ).
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقال الغزالي في "الإحياء" (١/ ١٢٦): ويقال: أول ما ظهر من البدع بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع: المناخل، والأسنان، والموائد، والشبع.
وفي "صحيح البخاري" (٥٤١٣) عن سهل بن سعد قال: ما رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منخلاً من حين ابتعثه الله حتى قبضه.
وفي "الطبقات" لابن سعد (١/ ٤٠٨) عن سهل بن سعد: ما رأيت منخلاً في ذاك الزمان ... ".
(٣) في (ر) و (غ): "وأخذ".
(٤) في (خ) و (ت): "وظاهره".
(٥) سورة الأحقاف: الآية (٢٠).
(٦) في (خ) و (م): "وإنما الكلام".
(٧) قوله: "من" من (ر) و (غ) فقط.
(٨) في (ر) و (غ): "لها" بدل "بها".
(٩) في (ر) و (غ): "شنيع ومن العوائد" وفي (م): "شنيعاً من العوائد"، والمثبت من (خ) و (ت).
(١٠) في (خ) و (م) و (ت): "ما تختلف".
(١١) في (ت) و (خ): "فيكون".