للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي لَيْسَ مَعِي رَضِيعٌ، لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلَآخُذَنَّهُ. فَقَالَ:

لَا عَلَيْكِ. فَذَهَبْتُ فَأَخَذْتُهُ، فو الله مَا أَخَذْتُهُ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أَخَذْتُهُ فَجِئْتُ بِهِ إِلَى رَحْلِي [ (٣٠٧) ] ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ حَتَّى رَوِيَ، وَشَرِبَ أَخُوهُ حَتَّى رَوِيَ، وَقَامَ صَاحِبِي إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ، فَإِذَا إِنَّهَا لَحَافِلٌ [ (٣٠٨) ] ، فَحَلَبَ مَا شَرِبَ، وَشَرِبْتُ حَتَّى رَوِينَا. فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ، فَقَالَ صَاحِبِي: يَا حَلِيمَةُ! وَاللهِ إِنِّي لَأَرَاكَ قَدْ أَخَذْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً، أَلَمْ تَرَيْ مَا بِتْنَا [ (٣٠٩) ] بِهِ اللَّيْلَةَ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ حِينَ أَخَذْنَاهُ؟ فَلَمْ يَزَلِ اللهُ- عَزَّ وَجَلَّ- يَزِيدُنَا خَيْرًا حَتَّى خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِنَا، فو الله لَقَطَعَتْ أَتَانِي بِالرَّكْبِ حَتَّى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حِمَارٌ، حَتَّى إِنَّ صَوَاحِبَاتِي يَقُلْنَ: وَيْلَكِ يَا ابْنَةَ أَبِي ذُؤَيْبٍ، أَهَذِهِ أَتَانُكِ الَّتِي خَرَجْتِ عَلَيْهَا مَعَنَا؟ فَأَقُولُ: نَعَمْ، وَاللهِ إِنَّهَا لَهِيَ. فَيَقُلْنَ: وَاللهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا. حَتَّى قَدِمْنَا أَرْضَ بَنِي سَعْدٍ، وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللهِ، تَعَالَى، أَجْدَبَ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ غَنَمِي لَتَسْرَحُ، ثُمَّ تَرُوحُ شِبَاعًا لَبَنًا [ (٣١٠) ] ، فَنَحْلُبُ مَا شِئْنَا، وَمَا حَوْلَنَا أَحَدٌ تَبِضُّ لَهُ شَاةٌ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَإِنَّ أَغْنَامَهُمْ لَتَرُوحُ جِيَاعًا، حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ [ (٣١١) ] : وَيْحَكُمْ!! انْظُرُوا حَيْثُ تَسْرَحُ غَنَمُ ابْنَةِ [ (٣١٢) ] أَبِي ذُؤَيْبٍ، فَاسْرَحُوا مَعَهُمْ. فَيَسْرَحُونَ مَعَ غَنَمِي حَيْثُ تَسْرَحُ، فَيُرِيحُونَ أَغْنَامَهُمْ جِيَاعًا مَا فِيهَا قَطْرَةُ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعًا لَبَنًا نَحْلُبُ مَا شِئْنَا [ (٣١٣) ] . فَلَمْ يَزَلِ اللهُ، تَعَالَى، يُرِينَا الْبَرَكَةَ وَنتَعَرَّفُهَا حَتَّى بَلَغَ سَنَتَيْهِ، فَكَانَ يَشِبُّ شَبَابًا لَا يشبّه


[ (٣٠٧) ] (الرّحل) : سكن الشخص، المنزل والمأوى.
[ (٣٠٨) ] (الحافل) : الممتلئة الضّرع من اللبن، والحفل: اجتماع اللبن في الضرع.
[ (٣٠٩) ] في (ص) : «ما شأنه» وهو تصحيف.
[ (٣١٠) ] (لبّن) : أي غزيرات اللبن.
[ (٣١١) ] في (ص) : «لرعاتهم» .
[ (٣١٢) ] في (ص) : «ابنت» .
[ (٣١٣) ] في (ص) : «نحلب ما شئنا من اللبن» .