للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

النَّاسِ بِخَرْقِهَا؛ لِأَنَّ الْعُدْوَانَ عَلَى أَنْفُسِ النَّاسِ وَأَمْوَالِهِمْ لَا يَصِحُّ إِلَّا عَنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

وَقَدْ حَصَرَ تَعَالَى طُرُقَ الْإِنْذَارِ فِي الْوَحْيِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِالْوَحْىِ} وَ «إِنَّمَا» صِيغَةُ حَصْرٍ.

فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ الْإِلْهَامِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْإِلْهَامَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى شَيْءٍ، لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ، وَعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهِ، بَلْ لِوُجُودِ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ، وَمَا يَزْعُمُهُ بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ مِنْ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْإِلْهَامِ فِي حَقِّ الْمُلْهَمِ دُونَ غَيْرِهِ، وَمَا يَزْعُمُهُ بَعْضُ الْجَبْرِيَّةِ أَيْضًا مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِالْإِلْهَامِ فِي حَقِّ الْمُلْهَمِ وَغَيْرِهِ جَاعِلِينَ الْإِلْهَامَ كَالْوَحْيِ الْمَسْمُوعِ مُسْتَدِلِّينَ بِظَاهِرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ} ، وَبِخَبَرِ «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» (١) كُلُّهُ بَاطِلٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ اعْتِضَادِهِ بِدَلِيلٍ، وَغَيْرُ الْمَعْصُومِ لَا ثِقَةَ بِخَوَاطِرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ دَسِيسَةَ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ ضُمِنَتِ الْهِدَايَةُ فِي اتِّبَاعِ الشَّرْعِ، وَلَمْ تُضْمَنْ فِي اتِّبَاعِ الْخَوَاطِرِ وَالْإِلْهَامَاتِ، وَالْإِلْهَامُ فِي الِاصْطِلَاحِ: إِيقَاعُ شَيْءٍ فِي الْقَلْبِ يُثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ بِوَحْيٍ وَلَا نَظَرٍ فِي حُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ، يَخْتَصُّ اللَّهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مَنْ خَلْقِهِ، أَمَّا مَا يُلْهَمُهُ الْأَنْبِيَاءُ مِمَّا يلقيه الله فِي قُلُوبهم فَلَيْسَ كالإلهام غَيْرِهِمْ، لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ. قَالَ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ فِي كِتَابِ الِاسْتِدْلَالِ:

وَيُنْبَذُ الْإِلْهَامُ بالعراء ... أَعنِي بِهِ إلهام الْأَوْلِيَاء


(١) - أخرجه التِّرْمِذِيّ (٥/٢٩٨) (٣١٢٧) من حدث أبي سعيد - رَضِي الله عَنهُ -، وَقَالَ: حَدِيث غَرِيب. وَلِلْحَدِيثِ شَاهد عَن أبي أُمَامَة - رَضِي الله عَنهُ - عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَغَيره، والْحَدِيث ضعفه الشَّيْخ الألباني - رَحمَه الله - فِي السلسلة الضعيفة (١٨٢١) .

<<  <  ج: ص:  >  >>