للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَسْلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَتَحَنَّثُ بِأَعْمَالٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهَلْ لَنَا مِنْهَا شئ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنَ الْخَيْرِ) (١) ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الطَّعَامَ وَيَفُكُّ الْعَانِيَ وَيُعْتِقُ الرِّقَابَ، وَيَحْمِلُ عَلَى إِبِلِهِ لِلَّهِ، فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (٢) .

وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَهَا، أَيْ لَوْ أَسْلَمَ فَقَالَهَا كَانَ يَنْفَعهُ، وَالله تَعَالَى أعلم] (٣) .

هَل يقْضِي الْكَافِر وَالْمُرْتَدّ مَا تركاه من الْعِبَادَات حَال كفرهما؟

[اعْلَم أَوَّلًا أَنَّ الْكَافِرَ تَارَةً يَكُونُ كَافِرًا أَصْلِيًّا لَمْ يَسْبِقْ عَلَيْهِ إِسْلَامٌ، وَتَارَةً يَكُونُ كَافِرًا بِالرِّدَّةِ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُسْلِمًا.

أَمَّا الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي حَالِ كُفْرِهِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ) وَقَدْ أَسْلَمَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِقَضَاءِ شَيْءٍ فَائِتٍ فِي كُفْرِهِ.

وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ مَعْرُوفٌ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ فِي زَمَنِ رِدَّتِهِ، وَلَا فِي زَمَنِ إِسْلَامِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ جَمِيعَ عَمَلِهِ وَتَجْعَلُهُ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ عِيَاذًا بِاللَّهِ تَعَالَى؛ وَإِن كَانَ قد


(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٢/٥٢١) (١٢٦٩) ، وَمُسلم (١/١١٣) (١٢٣) .
(٢) - أخرجه مُسلم (١/١٩٦) (٢١٤) .
(٣) - ٩/٢٣٢ - ٢٣٣، الْبَلَد / ١٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>