للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْعُرْفِيَّةِ، بَلْ يُحْكَمُ بِاسْتِوَائِهِمَا وَمُعَادَلَةِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِيهِمَا، فَيُحْكَمُ عَلَى اللَّفْظِ بِأَنَّهُ مُجْمَلٌ، لِاحْتِمَالِ هَذِهِ وَاحْتِمَالِ تِلْكَ.

وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ السُّبْكِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُ، وَإِلَى هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ أَشَارَ فِي مراقي السعودي بِقَوْلِهِ:

وَمَذْهَبُ النُّعْمَانِ عَكْسُ مَا مَضَى ... وَالْقَوْلُ بِالْإِجْمَالِ فِيهِ مُرْتَضَى

وَإِذَا عَلِمْتَ هَذَا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، الَّذِي هُوَ تَقْدِيمُ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ، عَلَى الْعُرْفِيَّةِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى أَنَّهُ قَبَضَهُ إِلَيْهِ بِرُوحِهِ وَجِسْمِهِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْمَوْتِ أَصْلًا، كَمَا أَنَّ تَوَفِّي الْغَرِيمِ لِدَيْنِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَوْتِ دَيْنِهِ.

وَأَمَّا عَلَى الْمَذْهَب الثَّانِي: وَهُوَ تَقْدِيمُ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ، فَإِنَّ لَفْظَ التَّوَفِّي حِينَئِذٍ، يَدُلُّ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى الْمَوْتِ.

وَلَكِنْ سَتَرَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنَّهُ وَإِنْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِيسَى قَدْ تُوُفِّيَ فِعْلًا.

وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِنَا: دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ، عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ، فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَجْهَ عَدَمِ دَلَالَةِ الْآيَةِ، عَلَى مَوْتِ عِيسَى فِعْلًا، أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} فَقُلْنَا مَا نَصُّهُ: وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا، مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

الْأَوَّلُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {مُتَوَفّيكَ} لَا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى كَونه قَدْ مَضَى.

وَأَمَّا عَطْفُهُ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ، عَلَى قَوْلِهِ: مُتَوَفِّيكَ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِإِطْبَاقِ جُمْهُورِ أَهْلِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَلَا الْجَمْعَ، وَإِنَّمَا تَقْتَضِي مُطْلَقَ التَّشْرِيك.

<<  <  ج: ص:  >  >>