للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يَقْتَضِي انْعِقَادَ الإِجْمَاعِ بَينَهُمْ قَبْلَ مَعْرِفَةِ دَلِيلِ ذلِكَ الحُكْمِ. عَلَى أَنَّهُ كَمَا جَازَ الْقَوْلُ بِثُبُوتِ هذَا الحُكْمِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْقَوْلُ بِعَدَمِهِ، فَلَوْ صَارَ هذَا الإِجْمَاعُ مَانِعًا مِنَ الْقَوْلِ بِمَا يُخَالِفُ ذلِكَ الْحُكْمِ - لَزِمَ تَنَاقُضُ الإِجْمَاعَينِ؛ وَذلِكَ يُوجِبُ بُطْلانَ الإِجْمَاعِ.

فَإِنْ قَالُوا: لِمَ يَجُوزُ أَنْ يُقَال: إِنَّ الإِجْمَاعَ الأَوَّلَ كَانَ مَشْرُوطًا بَأَلَّا يُوجَدَ دَلِيلٌ يُوجِبُ الْقَطْعَ بِثُبُوتِ هذَا الْحُكْمِ، فَلَمَّا وُجِدَ الإِجْمَاعُ الثَّانِي، وَجَبَ الْقَطْعُ بِعَدَمِ ثُبُوتِ هذَا الْحُكْمِ، لَا جَرَمَ: زَال شَرْطُ الإِجْمَاعِ الأَوَّلِ؛ فَزَال بِزَوَالِ شَرْطِهِ.

قُلْنَا: إِذَا جَوَّزْتُمْ كَوْنَ الإِجْمَاعِ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ فِي هذَا الإِجْمَاعِ الثَّانِي أَنْ يُقَال: إِنَّمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِثُبُوتِ هذَا الْحُكْمِ بِعَينِهِ، إِذَا لَمْ يُوجَدْ مُعَارِضٌ أَقْوَى مِنْهُ، وَإِذَا وُجِدَ ذلِكَ الْمُعَارِضُ، لَمْ يَبْقَ هذَا الإِجْمَاعُ مُعْتَبَرًا؛ وعَلَى هذَا التَّقْدِيرِ: فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ شَيءٌ مِنَ الإِجْمَاعَاتِ؛ وَخَرَجَ الْكُلُّ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً.

الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ مَعْرِفَةَ جَمِيعِ الأُمَّةِ مُمْكِنَةٌ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ؛ فَلِهذَا قَال أَهْلُ الظَّاهِرِ: إِنَّهُ لَا حُجَّةَ إلا فِي إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُمَكِنُ مَعْرِفَةُ حُصُولِ الإِجْمَاعِ إلا فِي ذلِكَ الزَّمَانِ؛ وَهذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا.

===

وهذه الأَسْئِلَةُ وَاضِحَةُ التقرير، وإنما ذَكَرْنَاهَا لإِكْمَالِ البَحْثِ في تحقيق أَجْوبَتِهِا إن شاء اللهُ تعالى.

قوله: "وَالجَوَابُ عن الأَوْلِ: أن مَعْرِفَةَ جَمِيعِ الأُمَّةِ كانت مُمْكِنَةً في زَمَنِ الصَّحَابَةِ؛ ولهذا قال أَهْلُ الظَّاهر: إنه لا يُمْكنُ حُصُولُ الإِجْمَاعِ، إلا في ذلِكَ الزَّمَانِ":

والحق أننا لا نُنْكِرُ عُسْرَ الاطِّلاعِ عليه مع اتِّسَاعِ الخطة، لكنا مع ذلك نَعْلَمُ اتِّفَاقَ الأُمَّةِ في كل عَصْرٍ على أن الصُّبْحَ رَكْعَتَانِ، والمغرب ثلاث، وعلى تَقْدِيمِ النص المَقْطُوعِ به من الطَّرَفَينِ على المَظْنُونِ، كما أَجْمَعَ الصحابة على جَمْعِ القرآن، وتدوين الجَيشِ، وأجمع السَّلَفُ في كل عَصْرٍ على جَوَازِ تَدْوينِ مَسَائِلِ الفِقْهِ، وَجَمْعِ الأَحَادِيثِ.

قوله: "وهذا هو المُخْتَارُ عِنْدَنَا":

إن عنى به أن أَدِلَّةَ الإِجْمَاع قاصرة على عَصْرِ الصَّحَابَةِ؛ كما زعم أَهْلُ الظَّاهِرِ؛ بِنَاءً على أن المُؤْمِنِينَ في الآية حَقِيقَةٌ تَتَنَاوَلُ الموجودينَ، وأن الخِطَابَ خِطَابُ مُوَاجَهَةٍ - فقد بَيَّنَّا أَنَّ الآيَة عَامَّةٌ، وإن عسر الاطلاع، مع أنَّه لو وَقَفَ عليه، لكان حُجَّةً في نَفْسِ الأَمْرِ، فالأمر كذلك.

<<  <  ج: ص:  >  >>