للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ضَرَرٌ مَنْفِيٌّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيهِ السَّلامُ -: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسْلامِ"، [وقد] عَدَلنَا عَنْهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ عَدَالةُ الرَّاوي مَعْلُومَةً؛ فَعِنْدَ عَدَمِ هذَا العِلْمِ: وَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ.

===

بالحَدِيثِ عَدَلْنَا عنه ما إذا كَانت عَدَالةُ الرَّاوي مَعْلُومَةَ فعند عَدَمِ هذا العِلْمِ، وَجَبَ البَقَاءُ على حكم هذا الأَصْلِ":

والاعتراض عليه: قَوْلُهُ: "عَدَالةُ الأَصْلِ غَيرُ معلومة":

قلنا: لا نُسَلِّمُ اشْتِرَاطَ العِلْمِ، بل الْمُعْتَبَرُ الظَّنُّ، وإلا لم يُعْمَل بالخَبَرِ المُتَّصِلِ.

قوله: "الجَهْلُ بالذَّاتِ يَسْتَلْزِمُ الجَهْلَ بالصِّفَةِ" ممنوع؛ فإنه إذا قَال العَدْلُ العَالِمُ بأسباب الجَرْحِ والتعديل: أَخَبْرَنِي الثِّقَةُ عندي، غلب على الظَّنَّ عَدَالةُ من يَرْوي عنه، إذا كان ظَنُّ العَدَالةِ كِافِيًا في العَمَلِ، فإذا قَال المُرْسِلُ بالصفة المَذْكُورَةِ: قال رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - جَازِمًا، دَلَّ ظَاهِرًا على أَنَّهُ لم يَنْقُلْهُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ عنده، وإلا لكان مُدَلِّسًا، ولأنه لو سَمَّاهُ وقال: هو عَدْلٌ، قُبِل: واكتفى به وَحْدَهُ على الأَصَحِّ؛ فالرِّوَايَةُ عنه كَذَلِكَ.

يَبْقَى أن يُقَال: إذا سَمَّاهُ أَمْكَنَ البَحْثُ في تعديله عن نَفْي المُعَارضِ؛ فإنه بِتَقْدِيرِ أَنَّ يَجْرَحَهُ غيره، فالجَرْحُ مُقَدَّمٌ على التَّعْدِيلِ، فلم يَلْزَمْ من قَبُولِ التَّعْدِيلِ المُطلَقِ قَبُولُ المُرْسَلِ، والحَقُّ أن ذلِكَ صَالِحٌ للترجيح، وأما إذا فرع على قَبُولِ التَّعْدِيلِ المُطْلَقِ والاكتفاء فيه بِوَاحِدٍ، وكان المُرْسِلُ من أَهْلِ الشَّأْنِ - قرر العَمَلَ به، واعْبَرَ الإِمَامُ التَّفَاوُتَ المَذْكُورَ في الترجيح دون الرَّدِّ، وناقض القَاضِي الشَّافِعِيَّ في عمله بمَرَاسِيلِ سَعِيدِ بن المُسَيَّب دون غيره، واعْتَذَرَ له بأنه كان يَرْوي عن أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، وهم عُدُولٌ بِتَزْكِيَةِ الله ورَسُولِهِ؛ فقد أمَن مَحْذُور الإِرْسَالِ، ولم يَتَحَقَّقْ عنده ذلك في غَيرِهِ، ومن أَضَافَ إليه مَرَاسِيلَ الحَسَنِ، فكذلك يقول؛ فإنه كان يَقُولُ: إذا حَدَّثَنِي أَرْبَعَةٌ من الصَّحَابَةِ تَرَكْتُهُمْ، وقُلْتُ: قال رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.

فإن قيل: فَقَدْ قَال الشَّافِعِيُّ: أخبرني الثِّقَةُ، وأخبرني من لا أَتَّهِمُ، ولا يُكتفي بذلك عِنْدَكُمْ، وقال القاضي: فَهِمْتُ من مَذهَبِ الشَّافعي قَبُولَ المَرَاسِيلِ؛ فإنه قال في "المُخْتَصَرِ": أخبرني الثِّقَةُ، وهو المرسل بِعَينِهِ، وأجاب أَصْحَابُهُ عن ذلك بأنه إنما ذكره لِبَيَانِ مَذْهَبهِ لا احتجاجًا به على غيره.

وقيل: لأنه كان أَعْلَمَ أَصْحَابِهِ بذلك، ولهذا قيل في بَعْضِهِ: إنه أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وفي بعضه: إنه يَحْيَى بْنُ حَسَّان، وفي بعضه: إنه ابن أبي فديك، وسعيد بن سالم، وقيل ذكره فيما ثَبَتَ من طُرُقٍ مشهورة، والله أعلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>