للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

مُوسَى إِلَى أُمِّهِ {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} بلقائه، {تَقَرَّ} سَبق أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ إِمَّا مِنَ القَرِّ، وهو البُرودة، وإِمَّا مِنَ القَرار والسُّكون، ولعله يشمل المَعْنيَيْن.

و{كَيْ} هنا حرف تعليل، وهي مصدريَّة تَنصب الفعل المضارع؛ ولهذا {تَقَرَّ} منصوبَةٌ، وعلامَةُ نصبِه فتحةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الراء.

قوله تعالى: {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} بلقائه، {وَلَا تَحْزَنَ} حينئذٍ، يعني: لَا تَحْزَن عَلَى مَا مَضى، بل يزول عنها الحُزن، تَقَرُّ العين، ويزول عنها الحُزن، {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ} بردِّه إليها {حَقٌّ}، وهذه أيضًا ثلاث فوائد:

الْأُولى: {تَقَرَّ عَيْنُهَا}، الثَّانية: {وَلَا تَحْزَنَ}، والثالثة: {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}.

أمَّا الأُولَيان فظاهِر أنها تَقَرُّ عينُها برجوعه، وَأَنَّهَا لَا تَحْزَنُ، بل يزول عنها الحُزن، لَكِنْ قَوْلُهُ: {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} هَذِهِ الْعِلَّةُ سَبقت؛ لأنَّها مُنذ أن ألقَتْه فِي الْيَمِّ قَدْ عَلِمْت أنَّ {وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}، ولولا عِلمها ويَقِينُها بأن {وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} ما ألقَتْه، فيكون هنا المرادُ بالعِلم عينَ اليَقِين، أَوْ حَقَّ اليَقِين إِنْ شِئْتَ.

فعِلمُها بِالْأوَّلِ عِلْمٌ عَنِ الشَّيْءِ خَبَرًا، وعِلمُها الثَّاني عِلم عَنِ الشَّيْءِ وُقوعًا، وَفَرْقٌ بَيْنَ عِلم الْإِنْسَانِ بالشَّيْء خبرًا، وبَين عِلمه به وقوعًا، وَلهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: ٢٦٠]، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَاينهِ" (١).


(١) أخرجه أحمد (١/ ٢١٥، رقم ١٨٤٢)، والحاكم (٢/ ٣٥١، رقم ٣٢٥٠) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والطبراني في الأوسط (١/ ١٢، رقم ٢٥)، والضياء (١٠/ ٨٢، رقم ٧٦)، وابن حبان (١٤/ ٩٦، رقم ٦٢١٣).

<<  <   >  >>