للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

للرسول بقوميته العربية. كقوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِين} ١، ثم قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} ٢، ويقصد التنزيل الحكيم بذلك "أكتابي أعجمي اللغة، ونبي عربي؟ "، وفي بعض التفاسير "ومخاطب عربي؟ ".

لكن هذا الرأي ظاهر الضعف؛ لأنه من غير المعقول أن يخاطب القرآن الكريم قومًا باسم علم لا يعرفون هم أنفسهم أنه يطلق عليهم للدلالة على قوميتهم، لا سيما وأنهم كانوا يميزون بين لسانهم الذي نعتوه بـ "عربي" وألسنة غيرهم من الأقوام التي أطلقوا عليها نعت "الأعجمية". وبهذا دليل على وجود الحس بالشعور القومي لدى عرب ما قبيل الإسلام.

والذي يمكن لفت النظر إليه ما ورد من أخبار الجاهلية القريبة من الإسلام، والتي تعطي بعض الأدلة على أن الشعور القومي عند الجاهليين قد بدأ منذ أن وقفوا وجهًا لوجه أمام ضغط الدول الأجنبية المجاورة لهم ولا سيما الفرس، فمقتوا التسلط الفارسي الذي تغلغل في مختلف جهات شبه الجزيرة العربية، وبخاصة شرقيها وجنوبيها، فأحس العرب بالدوافع القومية، وبتميزهم عن الأعاجم. يدل على ذلك تلك المنافرات والمفاخرات التي ترويها لنا كتب الأدب بين العرب والفرس, كل من الطرفين يشيد بقومه، ويأتي بالأدلة التي تثبت أفضليته على الجنس الآخر، حتى آل الأمر في النهاية إلى الصدام المسلح، وآخر ما كان من ذلك وقعة ذي قار المشهورة.


١ النحل: ١٠٣.
٢ السجدة "فصلت": ٤٤.

<<  <   >  >>